الحمدُ لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:
فقد أمر الله سبحانه بالتفكر والتدبر في كتابه العزيز، وأثنى على المتفكرين بقوله: وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً [آل عمران:191]، وقال: إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ [الرعد:3] ، ويروى عن عمر بن الخطاب قال: قال رسول الله :" تفكروا في آلاء الله ولا تفكروا في الله " رواه البيهقي.
وقال أبو الدرداء رضي الله عنه:<تفكر ساعة خير من قيام ليلة>، وقال وهب بن منبه:<ما طالت فكرة امرىء قط إلا فهم، وما فهم إلا علم، وما علم إلا عمل>. وقال بشر الحافى:<لوتفكر الناس في عظمة الله تعالى لما عصوه>
، وقال يوسف بن أسباط:<إن الدنيا لم تخلق لينظر إليها، بل لينظر بها إلى الآخرة>.
بيان مجاري الفكر وثمراته:
اعلم أخي القاريء- رحمني الله وإياك- أنّ الفكر قد يجري في أمر يتعلق بالدين،
وقد يجري في أمر يتعلق بغيره، وإنّما غرضنا ما يتعلق بالدين، وشرح ذلك يطول. فلينظر الإنسان في أربعة أنواع: الطاعات، والمعاصي، والصفات المهلكات، والصفات المنجيات. فلا تغفل عن نفسك، ولا عن صفاتك المباعدة عن الله، والمقرّبة إليه. وينبغي لكلّ مسلم أن تكون له جريدة يثبت فيها جملة الصفات المهلكات، وجملة الصفات المنجيات، وجملة المعاصي والطاعات، ويعرض ذلك على نفسه كل يوم.
ويكفيه من المهلكات النظر في عشرة، فإنه إن سلم منها سلم من غيرها، وهي: البخل، والكبر، والعجب والرياء والحسد، وشدة الغضب، وشره الطعام، وشره الوقاع، وحب المال، وحب الجاه.
ومن المنجيات عشرة: الندم على الذنوب، والصبر على البلاء، والرضا بالقضاء، والشكر على النعماء، واعتدال الخوف والرياء، والزهد في الدنيا، والإخلاص في الأعمال، وحسن الخُلُق مع الخلق، وحب الله تعالى، والخشوع.
فهذه عشرون خصلة: عشرة مذمومة، وعشرة محمودة، فمتى كُفي من المذمومات شكر الله تعالى على كفايته إياها، وليعلم أن ذلك لم يتم إلا بتوفيق الله تعالى وعونه وكذلك يطالب نفسه بالانصاف بالصفات المنجيات، فإذا اتصف بواحدة منها، كالتوبة والندم مثلاً، فرح بها واشتغل بالباقي.
فأمّا أكثر النّاس من المعدودين في الصالحين، فينبغي أن يثبتوا في جرائدهم المعاصي الظاهرة، كالوقوع في الشبهات، وإطلاق اللسان بالغيبة والنميمة، والمراء والثناء على النفس والإفراط في موالاة الأولياء، ومعاداة الأعداء، والمداهنة في ترك الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، فإن أكثر من يعد نفسه من وجوه الصالحين، لا ينفك عن جملة من هذه المعاصي في جوارحه، وما لم تطهر الجوارح من الآثام، لا يمكن الاشتغال بعمارة القلب وتطهيره.
وكلّ فريق من الناس يغلب عليهم نوع من هذه الأمور، فينبغي أن يكون تفقدهم لها وتفكرهم فيها. مثاله: العالم الورع، فإنه لا يخلو في غالب الأمور من إظهار نفسه بالعلم، وطلب الشهرة، وانتصار الصيت، إما بالتدريس، أو بالوعظ. ومن فعل ذلك، فقد تصدى لفتنة عظيمة لا ينجو منها إلا الصدّيقون. وربّما ينتهي العلم بأهل العلم إلى أن يتغايروا كما تتغاير النساء، وكل ذلك من رسوخ الصفات المهلكات في سرّ القلب التي يظنّ العالِم النجاة منها، وهو مغروس فيها.
ومن أحسّ من نفسه هذه الصفات، فالواجب عليه الإنفراد والعزلة، وطلب الخمول والمدافعة للفتاوى، فقد كان الصحابة يتدافعون الفتاوى، وكل منهم يودُّ لو أن أخاه كفاه.
فالتفكر في ذاته سبحانه ممنوع منه، وذلك أن العقول تتحير في ذلك، فإنه أعظم من أن تمثله العقول بالتفكر، أو تتوهمه القلوب بالتصوير: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ [الشورى:11].
فأمّا التفكر في مخلوقات الله تعالى، فقد ورد القرآن بالحثّ على ذلك كقوله تعالى: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِّأُوْلِي الألْبَابِ [آل عمران:190] وقوله: قُلِ انظُرُواْ مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ [يونس:101].
ومن آيات الله تعالى: الإنسان المخلوق من نطفة، فيتفكّر الإنسان في نفسه، فإن في خلقه من العجائب الدالة على عظمة الله تعالى، ما تنقضي الأعمار في الوقوف على عُشر عُشره، وهو غافل عن ذلك. وقد أمره الله تعالى بالتدبر في نفسه، فقال: وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ [الذاريات:21]
ومن آياته الجواهر المودعة في الجبال، والمعادن من الذهب والفضة ونحوها، وكذلك النفط وغيره. ومن آياته البحار العظيمة العميقة المكتنفة لأقطار الأرض، التي هي قطع من البحر الأعظم، المحيط بجميع الأرض، وفي البحر عجائب أضعاف ما تشاهده في البر.
وانظر كيف خلق الله اللؤلؤ، ودوَّره في صدفه تحت الماء، وانظر كيف أنبت المرجان في الصخور تحت الماء، وكذلك ما عداه من العنبر وأصناف ما يقذفه البحر، وانظر إلى عجائب السفن، كيف أمسكها الله تعالى على وجه الماء، وسيّرها في البحار تسوقها الرياح، وأعجب من ذلك الماء فإنه حياة كل ما على الأرض من حيوان ونبات، فلو احتاج العبد إلى شربة ماء، ومنع منها، لبذل جميع خزائن الأرض في إخراجها، فلا يغفل العبد عن هذه النعمة.
ومن آياته الهواء، وهو جسم لطيف، لا يرى بالعين، ثم انظر إلى شدته وقوته، وانظر إلى عجائب الجو، وما يظهر فيه من الغيوم والرعد والبرق والمطر والثلج والشهب والصواعق، وغير ذلك من العجائب. وانظر إلى الطير تسبح بأجنحتها بالهواء كما يسبح حيوان البحر في الماء، ثم انظر إلى السماء وعِظمها وكواكبها وشمسِها وقمرها، وما فيها كوكب إلا ولله تعالى فيه حكمة في لونه وشكله وموضعه، وانظر إلى إيلاج الليل في النهار، والنهار في الليل، وانظر مسيّر الشمس، كيف اختلف في الصيف والشتاء والربيع والخريف.
وقد قيل: إنّ الشمس مثل الأرض مائة ونيفاً وستين مرة، وإنّ أصغر كوكب في السّماء مثل الأرض ثمان مرات، فإذا كان هذا قدر كوكب واحد، فانظر إلى كثرة الكواكب، وإلى السماء التي فيها الكواكب، وإلى إحاطة عينك بذلك مع صغرها. والعجب منك أنّك تدخل بيت غني مزخرفاً بالذهب، فلا ينقطع تعجبك منه ولا تزال تذكره، وأنت تنظر إلى هذا البيت العظيم، ولا تتفكر في بناء خالقك، فما مثلك في غفلتك إلا كمثل نملة تخرج من بيتها الذي حفرته في حائط قصر الملك، فتلقى أختها فتحدث معها في حديث بيتها، وكيف بنته وما جمعت فيه، ولا تذكر قصر الملك ولا من فيه، فهكذا أنت في غفلتك، فما تعرف من السماء إلا ما تعرفه النملة من سقف بيتك.
- فهذا بيان معاقد التأمل التي يجول فيها فكر المتفكرين، مع أن الأعمار تقصر، والعلوم تقل عن الإحاطة ببعض المخلوقات؛ إلا أنّك كلما استكثرت من معرفة عجائب خلق الله، كانت معرفتك بجلال الخالق أتم..، فتفكّر أخي القارئ فيما أشرنا إليه، فمن نظر في هذه الأشياء من حيث أنها من تدبير الله، استفاد المعرفة بجلال الله تعالى وعظمته، وإن قصّر النظر فيها شقي. نعوذ بالله من مزلة أقدام الجهال، ومن الركون إلى أسباب الضلال، وصلّى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم.
وكتبه: أبو ياسر يوسف مشرية
إمام أستاذ بالعاصمة
المشاهدات: 457
التعليقات (1)
... أرسلت بواسطة
ابو زينب , يونيو 29, 2009
قال صلى الله عليه و سلم ما نهيتكم عنه فانتهوا وما امرتكم به فاتهوا ماصططعتم فالتمسك بهديه من اعلى صفات الصالحين بالله عليكم كيف نقول اننا نحب النبي صلى الله عليه وسلم و نحن نخالفه في كل صغيره و كبيره و بهدا اوصي نفسي واياكم بتقوى الله والتمسك بسنه رسوله صلى الله عليه و سلم ولا نخشى لومه لائم
إنّ الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيّئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضلّ له، ومن يضللفلا هادي له، وأشهد أنْ لا إله إلاّ الله وحدهُ لا شريك له، وأشهد أنّ محمّدا عبده ورسوله.أمّا بعد فإنّ أصدق الحديث كتاب الله،وأحسن الهدي هدي محمّد [ ... ]
(...لم
أكن أدرك أن الحزن مازال رابضاً في داخليمارداً ينمو قرابة العامين وأن
كبريائي تأبى أن تذرف دموعها حتى عندما
تكون بمفردها والشوك
المنغرس في حلقي غصة تخنقني، يمنعني
أن أخط كلمة واحدة ، كنت أهرب وأؤجل،
ولكن هذه المرة، ما إن فتحت الصفحة و أمسكت
ا [ ... ]
لقد
لقي الشيخ العربي التبسي في جولاته بالمشرق بعض قيادات الإخوان المسلمين بمصر، ولاحظ
منهم التهور والتسرع واستعمال العنف في مخاطبة حكومتهم، فنصح لهم وحذرهم من مغبة
سلوك هذا المنهج، وأرشدهم إلى الصبر والتأني والدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة،
وبقي مصرا على تكرير نصحه رغم ق [ ... ]
تتفاوت مشاعر الناس وتتباين في استقبالهم لهذا الضيف الجديد
وهذا الزائر الكريم، فيا ترى ما هي المشاعر التي ينبغي على المسلم أن يتمثل بها في
استقباله لهذا الشهر، شهر رمضان؟؟نحن نريد أن نستمتع برمضان، وأن نلتزم فيه بالعبادة، وأن
نستشعر ما فيها من المغفرة والفرصة [ ... ]
هذه
القضية من القضايا التي يستهين بها كثير من الناس وهي في دين الله وشرعه من الأمور
الخطيرة والكبيرة التي توعد الله سبحانه وتعالى على مرتكبها وفاعلها باللعن والطرد
من رحمته تعالى.فبعض
الناس لجهله بالشرع، أو للقرابة التي تربطه بصاحب المنكر، أو للعاطفة النَسَبية، [ ... ]
أخي
المسلم هذه المقالة جمعت فيها من الأجوبة العلمية على عدد من الشبهات التي نتسامع
بإثارتها من حين لآخر، والتي تحمل في حقيقتها التلبيس على الأمة والتعدي على السنة،
التي تصدر عن كثير ممن هداهم الله من حيث
يدرون بحقيقتها ويشعرون أو من حيث لا يدرون ولا [ ... ]
الذي ينبغي للعالم الرباّني أن يكون متهيباً للإفتاء في
مسائل النوازل وخاصة المتعلقة بالدماء والأموال والأعراض، فلا يتجرأ على الإفتاء إلا حيث يكون الحكم جليا في الكتاب أو السنة، أو
يكون مجمعا عليه. أما فيما عدا ذلك مما تعارضت فيه الأقوال والوجوه وخفي حك [ ... ]
تالله ما قيمة الحياة إذا خلت من السعي المشكور؟! تالله، ما قيمة الحياة إذا لم تعمر بالعمل المبرور؟! وما تغني الدنيا كل الدنيا بأيامها المعدودة وأعوامها المحدودة إذا لم يقدم المرء بين يديه أو يخلّف من ورائه من الصالحات ما يشفع له عند مولاه إذا انتقل إليه؟! ألا فأبعدوا وجوهكم عن [ ... ]
الحمدُ لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:
فقد أمر الله سبحانه بالتفكر والتدبر في كتابه العزيز، وأثنى على المتفكرين بقوله: وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً [ ... ]