حذار يا ناس من الفتوى على المقاس..
كتـب المقال عزالدين ميهوبي   
الثلاثاء, 21 أكتوبر 2008 20:47

فتوى وأما أنا، وأعوذ بالله من قولة أنا، فأحسب أنني أوتيت شيئا من العقل الذي كرمني به الله عز وجل للتمييز بين الخير والشر،  وبين الشيء ونقيضه، فقرأت القرآن الكريم وتتبعت ما جاء في السنة النبوية المشرفة واطلعت على ما جاء في الأثر عن الخلفاء الراشدين وما تواتر عن الصحابة والتابعين، وما نطق به الأئمة الكبار، وما ورد من اجتهادات العلماء الأخيار، فانغمست في قراءة كل شيء ارتبط بأعلام تاريخ أمتنا الطويل، ورحت أقرأ كل ما يطلع من المطابع شرقا وغربا، لأعرف شيئا غاب عني، وكان شعاري دائما هو أن أعرف شيئا عن كل شيء، وكل شيء عن أي شيء، فشاب شعري في مبتدئ العمر، وكلما حاولت الوصول إلى شيء أجهله تبدت لي أشياء كثيرة، وذاك هو الامتحان الكبير الذي يكشف جهلنا أمام ما خلق الله في هذا الكون الواسع..


قرأت القرآن والسنة والسيرة وتعرفت على مشاهير المفسرين والرواة والمحدثين من عبد الله بن مسعود وعبد الله بن عباس وسعيد بن جبير وعطاء بن أبي رباح والأسود بن يزيد النخعي وعبيدة بن عمرو السلماني وعمرو بن شرحبيل وعبد الملك بن جريج وكلهم أسهموا في نقل كل ما اتصل بالقرآن وتفسيره في العقود الأولى من بدء انتشار رسالة الاسلام.  واشتد اهتمامي بالامام محمد بن جرير الطبري صاحب (جامع البيان في تفسير القرآن) وهو بشهادة القدماء والمحدثين من أعظم التفاسير وأجودها.. وبعده اطلعت على تفسير بحر العلوم للسمرقندي، ومعالم التنزيل للبغوي، والدر المنثور للسيوطي، وتفسير ابن كثير. وتتبعت مسائل الناسخ والمنسوخ وغير ذلك من أدوات التفسير وأنواعها واختلافاتها، إلى أن توصلت باجتهادات كبرى في التفسير المتقيد بمناهج علمية مثل مفاتيح الغيب للرازي، وأنوار التنزيل للبيضاوي، وروح المعاني للألوسي، ولباب التأويل للخازن وكتاب مفردات القرآن للراغب الأصفهاني، وغريب القرآن للسجستاني. وكذا التفاسير التي ربطت الآيات بالأحكام الشرعية، مثل تفسير أحكام القرآن للشافعي، وأحكام القرآن لابن العربي، وأحكام القرآن للقرطبي. ولم أتوقف عند هذا بل اطلعت على الاجتهادات الأولى من التفسير المؤسس على التفكير العلمي وربطه بالظواهر الكونية مثل تفسير طنطاوي جوهري المعاصر، ومثل ما كتبه في ذلك الغزالي أو السيوطي أو أبو الفضل المرسي في مؤلفاتهم. ومثلها أيضا التفاسير التي ركزت على إعجاز لغة القرآن مثل الشيخ مكي بن أبي طالب والعكبري والصرخدي، ومصنفات الباقلاني والرماني والرافعي.
ولم أتوقف عند هذا الحد فقرأت كل ما وقع بين يدي من كتب ومؤلفات من شيخ الاسلام ابن تيمية وابن القيم الجوزي، واستوقفني جهد ابن خلدون ليس في العمران وفهم تطور الشعوب ونشأة الدول بل في قراءته للإسلام واجتهاده فيه، إلى أن برز علماء ومفكرون في العهود الأخيرة، فقرأت شيئا من اجتهادات وتفاسير الشيخ عبد الحميد بن باديس والشيخ بيوض ومحمد بن عبد الكريم الجزائري والشيخ عبد المجيد بن حبة، وكنت أسمع كل صباح عبر الأثير التفسير المبسط للشيخ محمد كتو.. وفي الثمانينيات اطلعت على ما جاء به شيوخ وأئمة في المشرق أمثال محمود شلتوت ومحمد متولي الشعراوي، وقبله سيد قطب في ظلال القرآن، وعبد العزيز بن باز والعثيمين وآل الشيخ والألباني وجابر الجزائري  وغيرهم من العلماء الذين وجدوا أنفسهم أمام أسئلة كبرى تتعلق بحياة الناس المتفاعلة مع تحولات سريعة بسبب الثورة التكنولوجية التي أحدثت هزة في سلوك الناس وفهمهم للدين وعلاقة ذلك بما يعيشونه..
وفي نهاية السبعينيات وبدابة الثمانينيات كنت أحضر مع والدي ملتقيات التعرف على الفكر الاسلامي وهناك اكتشفت مع الكثيرين علماء من الشرق والغرب، اهتمامهم بالاسلام غير عادي، بل إن بعضهم من علماء الغرب، راحوا يبحثون عن تفسير ظواهر تاريخية وعلمية ونفسية من خلال القرآن العظيم، فكانت الألمانية سيغريد هونكه من أكثر العلماء والمفكرين اعترافا بما حققته الحضارة الاسلامية للإنسانية في كتابها "شمس العرب تسطع على الغرب" وقبلها العالم موريس بوكاي الذي لم يجد بدا أمام الاعتراف برسالة القرآن القوية وروحها المتناسبة مع الاجتهاد العلمي في كتابه الشهير "القرآن والانجيل والعلم". وتعرفت على كتابات المفكر الكبير، سابق عصره، مالك بن نبي الذي فهم إشكاليات النهضة لدى المسلمين وخاض في الأمر طويلا إلى جانب مفكرين كبار أمثال أبو الأعلى المودودي وعلي شريعتي، هذا الثلاثي الذي استطاع النفاذ إلى عقول أهل الغرب وجعلها قادرة على تفكيك الأسئلة الصعبة في معادلة القرآن والحياة، فكان ابن نبي رجل العلم واحدا من الذين نجحوا في الوصول بالفكر الاسلامي إلى مصاف الفكر الانساني المؤثر في الحضارة وحياة الشعوب، وبفضل رؤيته الثاقبة ونظريته الشهيرة "عندما تغيب الفكرة يبرز الصنم" تأكد أن كثيرا من الأصنام ظهرت في حياتنا وسعت إلى تشويه الفطرة بالجهل والفتنة ورفض الآخر.
وأحسب أنني أسديت خدمة كبيرة للناس الراغبين في فهم شيء عن دينهم وحضارتهم، حين نشرت قبل عشرين عاما المناظرة الطويلة بين الشيخ أحمد ديدات الهندي المسلم المقيم في ديربن بجنوب إفريقيا والقس الأمريكي جيمي سواغارت، وهي المناظرة التي كشفت القدرة التي يمتلكها مفكرون مسلمون مسلحون بأدوات أساسها الذكاء والفطنة وفهم الآخر، والإيمان بضرورة الدفاع عن الاسلام وحماية دياره.
وحاورت الشيخ محمد الغزالي أيام كان مشرفا على المجلس العلمي لجامعة الأمير عبد القادر في قضايا مرتبطة بحالة التيه التي يعيشها شباب اليوم من تجاذب بين قوتين، كل واحدة تدعي الحق في فرض سلطانها.
ثم قرأت كثيرا مما جاء في اجتهادات أهل الشرق والغرب بشأن الاسلام، ولكنني توقفت طويلا عند تلك الفتاوى التي تطلع من مواقع لا أعرف مكانها لكنني أقرأها وأسأل بمرارة هل أصحابها يدركون معنى أن تقول إن هذا المجتمع كافر تجب محاربته، فتبدأ السيارات المفخخة والاغتيالات المبرمجة وما يدخل ضمنها.. والسؤال في كل هذا هو من منح هذا الحق في إصدار الفتوى وقتل الناس؟ ولماذا نسمع اليوم كلاما عن المراجعات الفقهية لكثير من الجماعات التي تبنت مبدأ الجهاد ضد المسلمين باسم الاسلام (..) ثم اكتشفت أنها كانت على خطأ أو أنه غرر بها.. والأكيد أنه غرر بها؟
كل هذه الأشياء كنت أعيشها وأتفاعل معها، فأقرأها وأعيد ترتيبها، وأقلبها على كل اتجاه، وأكتشف في النهاية أن الأمر ليس سهلا وأن إصدار الفتوى لا يكون إلا من ذوي الإيمان الصادق ومحصلة التجربة التي تفوق سبعين عاما من التدبر والتمحص وفهم الدين والحياة والفكر الانساني.
قلت لكم إنني مشيت طويلا في طريق القراءة والتدبر ومجالسة أهل الفكر والإيمان وانتهيت إلى أنني لا أجرؤ على مجرد التفكير في إصدار فتوى تبيح فعل شيء أو تحرمه وأكتشف في النهاية أن لي وصاية على الناس وكأنني مكلف بمهمة لا أتوفر على الحد الأدنى من معايير التكليف بها، أسهل منها أن تدير شؤون دولة على أن تفتي بجواز أو عدم جواز..  فكيف لي أن أفتي للآخرين وأنا أقضي الليالي الطوال أسأل هل التدخين حلال أم حرام أم مكروه، وأنا لا أدخن، فكيف لي بأن أفتي بجواز قتل طفل وسبي امرأة وحرق معمل وتفجير جسر..
 

المشاهدات: 519
التعليقات (1)Add Comment
0
...
أرسلت بواسطة مريم , مايو 05, 2009
جزاك الله خيرا،والله موضوع قيم

أضف تعليق
تصغير | تكبير

busy
 
الأمن والإيمان
14/06/2010 | بقلم : عبد المحسن القاسم خطيب المسجد النبوي الشريف
article thumbnail

الخطبة الأولى: أمّا بعد:  فاتَّقوا الله ـ عبادَ الله ـ حقَّ التقوى، فمن اتَّقى ربَّه رشَد، ومن أعرضَ عن مولاه عاش في كمَد. أيّها المسلمون،فرَض الله الفرائضَ وحرَّم المحرَّماتِ وأوجب الحقوقَ رِعايةً لمصالحِ العباد، وجعل الشريعةَ غِذاءً لحِفظ حياتِهم ودواءًلد [ ... ]


حين نشتري الموت و نركبه
19/02/2010 | بقلم مديرالتحرير
article thumbnail

 باشرت الإذاعة الوطنية بإطلاق حملة وطنية ذات بعدحضاري و ذلك بتخصيصها لعام 2010 عاما للوقاية من حوادث المرور من خلال شراكتها مع عدة قطاعات و هيئات للتحسيس بأهمية العملية، و خطورة الظاهرة. و حين يتكلم وزير النقل السيد عمار تو عن أهمية هاته المبادرة للمساهمة [ ... ]


جيل نوفمبر رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه...
15/11/2009 | المجاهد عبد العزيز بوتفليقة
article thumbnail

هي كلمات قالها المجاهد عبد العزيز بوتفليقة في حق إخوانه من جيل نوفمبر ممن رزقهم الله تعالى الشهادة في سبيل الله تعالى. فقال في شأن أخيه الشهيد العقيد أمحمد بوقرة   قائد الولاية التاريخية الرابعة
...إنّ التاريخ ليس أحداثا ووقائع تتواتر فحسب، بل هو نسيج يستمد حبكته م [ ... ]


خطاب رئيس الجمهورية لنصرة كلام ربّ البرية
18/08/2009 | السيد: عبد العزيز بوتفليقة
article thumbnail

  الجلسة الإفتتاحية للأسبوع الوطني الأول للقرآن بسم الله الرحمان الرحيم، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أيتها السيدات الفضليات، أيها السادة الأفاضل، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،  وبعد: (لَوْ أَنْ [ ... ]


وقالها الشعب
11/06/2009 | مدير التحرير
article thumbnail

  
بداية الكلام:
قال الولي الصالح الشيخ عبد الرحمان الثعالبي: إنّ الجزائر في أحوالها عجب          ولا يدوم بها للناس مكروه ما حلّ عُسر بها أو ضاق مُتسع      إلا ويسّر الرحمن من يتلوه الجزائر هذا البلد المترامي في اتجاهات ا [ ... ]


البعد الروحي لثورة التحرير المباركة
30/11/2008 | الشيخ محمد البشير الإبراهيمي
article thumbnail

بيان تاريخي وقعه الإمام محمد البشير الإبراهيمي رئيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين والشيخ الفضيل الورتلاني في الأيام الأولى لانطلاق الثورة التحريرية الكبرى المباركة يحرض فيه الشعب الجزائري على الانضمام إلى صفوف المجاهدين  مع جيش التحرير الوطن [ ... ]


أول خطبة جمعة بمسجد "كتشاوى" بعد الاستقلال
28/11/2008 | الشيخ الامام محمد البشير الابراهيمي
article thumbnail

الحمد لله ثم الحمد لله، تعالت أسماؤه وتمت كلماته صدقا وعدلا، لا مبدل لكلماته، جعل النصر يتنـزل من عنده على من يشاء من عباده حيث يبتليهم فيعلم المصلح من المفسد ويعلم صدق يقينهم وإخلاص نياتهم وصفاء سرائهم وطهارة ضمائرهم. سبحانه تعالى جعل السيف فرقانا بين الحق والب [ ... ]


ما في عنايتنا برمضان الكريم من مغزى لو تفهمناه...
31/10/2008 | العلاّمة عبد الحميد بن باديس
article thumbnail

ما أحرانا بالاكتفاء في تأدية هذه العبادة الشريفة بالفائدة الدينية الروحية المحضة، ألا وهي، تقديس أمر الله وتعظيمه، وابتغاء مرضاته، لكن نزوغ الفكر الجديد إلى تعليل كل ظاهرة دينية أو فنية قد لا يقتنع بغير إظهار ما يرمى إليه غرض الشارع في مثل هذه الشعيرة ال [ ... ]


كلمة رئيس الجمهورية الجزائرية في الدفاع عن خير البرية
28/10/2008 | :المجاهد عبد العزيز بوتفليقة
article thumbnail

ألقى رئيس الجمهورية عبد العزيز بوتفليقة  وفقه الله لكل خير،يوم الإثنين: 24 مارس 2008م  كلمة بمناسبة افتتاح الأسبوع التاسع للقرآن الكريم هذا نصها: "بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على أشرف المرسلين وعلى آله وصحبه الى يوم الدين. أيتها السيدات ا [ ... ]


حذار يا ناس من الفتوى على المقاس..
21/10/2008 | عزالدين ميهوبي
article thumbnail

وأما أنا، وأعوذ بالله من قولة أنا، فأحسب أنني أوتيت شيئا من العقل الذي كرمني به الله عز وجل للتمييز بين الخير والشر،  وبين الشيء ونقيضه، فقرأت القرآن الكريم وتتبعت ما جاء في السنة النبوية المشرفة واطلعت على ما جاء في الأثر عن الخلفاء الراشدين وما تواتر عن الصحابة والتابعي [ ... ]


عن أي كاميكاز تتحدثون؟
21/10/2008 | عزالدين ميهوبي
article thumbnail


لا أفهم لماذا يسعى كثير من الناس عندنا وعندهم (..) وبدرجة أخص من وسائل الإعلام،  إلى محاولة التفريق بين "القاعدة" و"الجماعة الإسلامية المسلحة" و"الجماعة السلفية للدعوة والقتال" وتنظيمات أخرى شبيهة تأخذ أشكالا ومسميات فيها من الابتداع المرتبط بالدين والعقي [ ... ]


فكأنما قتل الناس جميعا
11/10/2008 | عزالدين ميهوبي
article thumbnail

جريمة لا تغتفرعندما يتحدث الناس عن القتل يعودون دائما إلى واقعة قابيل الذي اكتشف سر الجريمة حين أخذ حجرا وهشم رأس أخيه هابيل حتى الموت ولم يكتشف سر إخفاء فعلته لولا أن غرابا دله على ذلك.. ومن ذلك اليوم صار قابيل بن آدم عليه السلام مرجع البشرية في إزهاق الروح والقتل العمدي.... [ ... ]


مقالات أخرى
    باقي على شهر رمضان
    

    العدد 16 

     

    رسالة البدر

    images/resized/images/stories/demo/18-1_78_59.jpgimages/resized/images/stories/demo/18-2_78_63.jpgimages/resized/images/stories/demo/18-3_78_48.jpgimages/resized/images/stories/demo/18-4_78_59.jpgimages/resized/images/stories/demo/18-5_78_55.jpgimages/resized/images/stories/demo/18-6_78_53.jpgimages/resized/images/stories/demo/18-7_78_48.jpgimages/resized/images/stories/demo/18-8_78_55.jpg
    يوجد حاليا 6 زوار المتواجدون الآن
    اليوم147
    أمس255
    هذا الأسبوع1106
    هذا الشهر9740
    جميع الزوار131040
    
    اشترك في القائمة البريدية ليصلك جديد المجلة
    Partly Cloudy Sunny Sunny
    31C 33C 33C
    الجمعة السبت الأحد

    المحاور الرئيسية