عن أي كاميكاز تتحدثون؟
كتـب المقال عزالدين ميهوبي   
الثلاثاء, 21 أكتوبر 2008 19:24


تفجيرلا أفهم لماذا يسعى كثير من الناس عندنا وعندهم (..) وبدرجة أخص من وسائل الإعلام،  إلى محاولة التفريق بين "القاعدة" و"الجماعة الإسلامية المسلحة" و"الجماعة السلفية للدعوة والقتال" وتنظيمات أخرى شبيهة تأخذ أشكالا ومسميات فيها من الابتداع المرتبط بالدين والعقيدة ما يجعل المرء يتساءل: وماذا يفيد الفصل بينها ما دام فعلها واحدا هو القتل وإراقة الدماء باسم الإسلام المنزه عن فعل الآثمين؟..
أنا شخصيا لا يعنيني إن كان اسم الفاعل قاعدة أم قمة؟ ما دام الفعل يفضي إلى جريمة قتل غير مبررة، وترفضها كل الشرائع  والنواميس.. ثم إنني أتساءل هل القتل بسيارة مفخخة بفعل فتوى إلكترونية يختلف عن إبادة عائلة عزلاء لا تعرف من يكون أبو مصعب عبد الودود الذي يتوعد الجزائريين بالويل والثبور (..) لأن النتيجة واحدة.. قتل غادر وجريمة منكرة وإرهاب أعمى يرى ضحاياه بوضوح.
لهذا فإنني أحيانا أتساءل إن كان بعض وسائل الإعلام عندنا وعندهم يجد فرقا بين قتل القاعدة وقتل جماعة الدعوة والقتال والقتل الذي مارسته تنظيمات دموية انتشرت كالفطر في جسم هذه الأرض الطيبة؟. إن الفعل واحد فلماذا نغرق أنفسنا في أيهما أسبق البيضة أم الدجاجة أو في محاولة البحث عن الفرق بين ماء الفرات وماء النيل؟ في حين أن كليهما يتكون كيميائيا من ذرتي هيدروجين وذرة أكسجين مثلما أفادنا بذلك العالم الإيطالي كانيزارو قبل مائة وخمسين عاما.. ثم هل يوجد فرق بين الديناميت الذي استخدمه أبو دجانة في تفجيرات الجزائر والذي ظل يستخدمه زوابري وقوسمي وجعفر الأفغاني  قبل سنوات؟ لا فرق.. إنما الفرق الوحيد بين هذه التنظيمات الدموية هي أن بعضها يعض على أصابعه إذا تبين له أن الحصيلة أقل مما كان يرمي إليه..
وشخصيا لا تعنيني أيضا تلك الألقاب التي يحملونها، تشويها للسلف الصالح، وإساءة لتاريخنا المشرق.. لأن أولئك الذين مثلوا صفوة الأعوام الأولى للبعثة المحمدية لم يفجروا أنفسهم في خيبر ولم يضعوا ألغاما في حنين ولم يختطفوا مشركين في الخندق ولم يقطعوا رقاب أعدائهم في تبوك أو يقوموا بأفاعيل كلها أباطيل في فتح مكة.. بل كانوا يعرفون أن تبليغ الرسالة لن يكون بجمل مفخخ أو بحواجز مزيفة يقتل فيها أبرياء لا يعرفون سببا لقتلهم.. فتصدر البيانات المؤسسة على فتاوى القتل المباح بالتكفير الصراح.
وإنني بقدر تألمي للجريمة التي اقترفها خارجون عن الدين والملة.. فإنني ازددت ألما عندما قرأت في موقع إلكتروني تبجح القتلة بعد تنفيذ جريمتهم الشنيعة باستخدامهم اسم غزوة بدر، وهي براء منهم ومن جنونهم.. وأسأل بصدق لو أن علي بن أبي طالب ومصعب بن عمير وسعد بن معاذ وقيس بن أبي صعصعة والزبير بن العوام وغيرهم ممن قادوا غزوة بدر الكبرى بقيادة الرسول الأكرم رأوا ما فعل معاذ بن جبل الباشجراحي (..) وأبو دجانة الكاليتوسي (..) والزبير أبو ساجدة البوزريعي (..) بتفجير سيارات معبأة بحوالي ألفي كيلوغرام من المواد المتفجرة القاتلة.. هل سيهللون؟ لا أعتقد.. وأغلب الظن أنهم سيقولون إن رؤوس الشرك عتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، وحكيم بن حزام، ونوفل بن خويلد، والحارث بن عامر، وطعيمة بن عدي بن نوفل والنضر بن الحارث وزمعة بن الأسود ، وأبو جهل بن هشام وأمية بن خلف، وسهيل بن عمرو.. وغيرهم من المشركين الذين قادوا المعركة في بدر هم أرحم من هؤلاء الإرهابيين، بل وأكثر رجولة منهم، لأنهم واجهوا رجال النبي سيفا بسيف ولم يطعنوهم في ظهورهم..
شيء عجب هذا الذي يحدث باسم الدين.. وباسم أعز ما يملك المسلمون. باسم الله يقتل الأبرياء، وباسم الدين تخرب المنشآت، وباسم أي شيء يفعلون كل شيء..
عندما قرأت في الصحافة الجزائرية في اليوم الموالي قولهم "كاميكاز يهز العاصمة" انتصرت بصدق للكاميكاز الياباني الذي يعد في تاريخ وثقافة هذا الشعب البطل صاحب فعل وطني.. فهؤلاء الذين يأخذون طائراتهم فجرا ويتجهون بها إلى أساطيل الأمريكان في البحر وينزلون بها، مفجرين أنفسهم، فداء لوطنهم، وحفاظا على كرامتهم، مؤمنين بأن قيامهم بهذا الفعل ليس جنونا إنما بطولة.. فأي مقاربة بين دموي يعتقد بفعلته أنه ينفذ فتوى مستمدة من الدين الحنيف يقتل أناسا أبرياء هم أكثر إيمانا منه، لأنهم لم يفكروا في قتل غيرهم.. وبين كاميكاز وهب حياته لوطنه؟ لا مجال للمقارنة بين فعل عدمي وفعل فيه من الوعي ما يجعل الواحد منا يكبر فعلة الياباني البطولية.
وقبل هذا وذاك.. كنت أسأل باستمرار في سنوات الدم والدمار، أمن حق إعلامنا أن يطلق على هؤلاء القتلة المجردين من كل إنسانية لقب الأمير؟ فإذا كان الأمير على الناس فعلته القتل والذبح والإبادة فعلى الأمير عبد القادر أن يقبل اتهامه بالماسونية (..) وعلى الأمير تشارلز أن يقبل اتهامه بمقتل ديانا (..) وعلى الأمير شكيب أرسلان أن يقبل جهله باللغة العربية.. وعلى ملعب الأمراء بباريس أن يتحول إلى ساحة لمصارعة الثيران.. وعلى من هم أمراء أن يختاروا حرفا أخرى أو تسميات تليق بمقامهم لأن اسم الأمير صار مرادفا لكل ما هو دموي.. ويحضرني هنا قول شاعر قديم:
قد عجبنا لأمير       ظلم الناس وسبح
فهو كالجزار فيهم     يذكر الله ويذبح
وأنا أكتب هذا المقال تراءت أمامي صورة الأم التي أنجبت واحدا من هؤلاء الذين أقدموا على ارتكاب الإثم يوم 11 أبريل حين قالت بلسان المرأة الجزائرية التي تجري وراء قوت عيالها "حين بلغني خبر ما قام به الإرهابيون دعوت الله أن ينتقم منهم.. وتبين في اليوم الموالي أن ابني هو الفاعل".. وتذهب أبعد من هذا الشعور الصادق حين تقول، وهي التي تقضي وقتها في تنظيف مدرسة الحي "إذا كان حرقي في ساحة الشهداء يخمد نار الفتنة فاجعلوني وقودا لذلك.." وتساءلت كم من مغرر به قرأ كلاما كهذا فاستعاد وعيه، ولم يبق أسير فتاوى تجار الموت في دهاليز الخيانة والغدر والاسترزاق من أشلاء الأبرياء؟ لا أعرف ولكن ما أصعب أن تصان حرمة الإنسان وتحفظ كرامته ولا يراق دمه، وما أسهل أن يتحول مدخن الحشيش إلى داعية للجنة...



 
المشاهدات: 460
التعليقات (1)Add Comment
0
...
أرسلت بواسطة منير المسالم , فبراير 08, 2010
الحمد لله وكفى، والصلاة والسلام على الحبيب المصطفى، وبعد :
أثني على صاحب المقال د. عز الدين ميهوبي وتفانيه في تشخيص ظاهرة الارهاب في بلادنا، وإني إذ أشكره على تحليله المتميز للظاهرة، أدعوه للبحث عن أسباب الظاهرة فسواء كانت هذه الجماعات ذات مسمياة اسلامية إلا أن الاسلام برئ منها براءة الذئب من دم ابن يعقوب وقد كنت أتساءل دوما فيما مضى كيف وصلت بلادنا الجزائر العظيمة إلى هذه الحال ولا يشرفنا أن يكون لديها متطرفون بهذا الشكل ومن هذا النوع، ومن كان السبب في ظهور أمثال هؤلاء ؟ وكيف تسللت هذه الأفكار الجهنمية من تقتيل وترعيب وترهيب إلى أبناء بلدنا، لا أستبعد أن تكون هناك مؤامرة على الجزائر الوطنية العملاقة لإيقاف مسيرتها المغاربية والعالمية بين الأمم.
ثم إني أتساءل دوما كيف يتمكن الجزائري من قتل أخيه الجزائري لمجرد أنه يخالفه في الأفكار والرؤى. فمهما اختلفنا لا يجب أن يتجاوز هذا الاختلاف مجاله العلمي وهو اختلاف تنوع لا اختلاف تضاد كما يقال.
وفي الختام، أسأل الله أن يوفق حكامنا وجيشنا لاستئصال هذه الظاهرة المقلقة من جذورها حتى لا تعود والبحث جديا عن أسباب نشوئها بيننا.

الغيور على بلده : منير المسالم

أضف تعليق
تصغير | تكبير

busy
 
الأمن والإيمان
14/06/2010 | بقلم : عبد المحسن القاسم خطيب المسجد النبوي الشريف
article thumbnail

الخطبة الأولى: أمّا بعد:  فاتَّقوا الله ـ عبادَ الله ـ حقَّ التقوى، فمن اتَّقى ربَّه رشَد، ومن أعرضَ عن مولاه عاش في كمَد. أيّها المسلمون،فرَض الله الفرائضَ وحرَّم المحرَّماتِ وأوجب الحقوقَ رِعايةً لمصالحِ العباد، وجعل الشريعةَ غِذاءً لحِفظ حياتِهم ودواءًلد [ ... ]


حين نشتري الموت و نركبه
19/02/2010 | بقلم مديرالتحرير
article thumbnail

 باشرت الإذاعة الوطنية بإطلاق حملة وطنية ذات بعدحضاري و ذلك بتخصيصها لعام 2010 عاما للوقاية من حوادث المرور من خلال شراكتها مع عدة قطاعات و هيئات للتحسيس بأهمية العملية، و خطورة الظاهرة. و حين يتكلم وزير النقل السيد عمار تو عن أهمية هاته المبادرة للمساهمة [ ... ]


جيل نوفمبر رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه...
15/11/2009 | المجاهد عبد العزيز بوتفليقة
article thumbnail

هي كلمات قالها المجاهد عبد العزيز بوتفليقة في حق إخوانه من جيل نوفمبر ممن رزقهم الله تعالى الشهادة في سبيل الله تعالى. فقال في شأن أخيه الشهيد العقيد أمحمد بوقرة   قائد الولاية التاريخية الرابعة
...إنّ التاريخ ليس أحداثا ووقائع تتواتر فحسب، بل هو نسيج يستمد حبكته م [ ... ]


خطاب رئيس الجمهورية لنصرة كلام ربّ البرية
18/08/2009 | السيد: عبد العزيز بوتفليقة
article thumbnail

  الجلسة الإفتتاحية للأسبوع الوطني الأول للقرآن بسم الله الرحمان الرحيم، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أيتها السيدات الفضليات، أيها السادة الأفاضل، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،  وبعد: (لَوْ أَنْ [ ... ]


وقالها الشعب
11/06/2009 | مدير التحرير
article thumbnail

  
بداية الكلام:
قال الولي الصالح الشيخ عبد الرحمان الثعالبي: إنّ الجزائر في أحوالها عجب          ولا يدوم بها للناس مكروه ما حلّ عُسر بها أو ضاق مُتسع      إلا ويسّر الرحمن من يتلوه الجزائر هذا البلد المترامي في اتجاهات ا [ ... ]


البعد الروحي لثورة التحرير المباركة
30/11/2008 | الشيخ محمد البشير الإبراهيمي
article thumbnail

بيان تاريخي وقعه الإمام محمد البشير الإبراهيمي رئيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين والشيخ الفضيل الورتلاني في الأيام الأولى لانطلاق الثورة التحريرية الكبرى المباركة يحرض فيه الشعب الجزائري على الانضمام إلى صفوف المجاهدين  مع جيش التحرير الوطن [ ... ]


أول خطبة جمعة بمسجد "كتشاوى" بعد الاستقلال
28/11/2008 | الشيخ الامام محمد البشير الابراهيمي
article thumbnail

الحمد لله ثم الحمد لله، تعالت أسماؤه وتمت كلماته صدقا وعدلا، لا مبدل لكلماته، جعل النصر يتنـزل من عنده على من يشاء من عباده حيث يبتليهم فيعلم المصلح من المفسد ويعلم صدق يقينهم وإخلاص نياتهم وصفاء سرائهم وطهارة ضمائرهم. سبحانه تعالى جعل السيف فرقانا بين الحق والب [ ... ]


ما في عنايتنا برمضان الكريم من مغزى لو تفهمناه...
31/10/2008 | العلاّمة عبد الحميد بن باديس
article thumbnail

ما أحرانا بالاكتفاء في تأدية هذه العبادة الشريفة بالفائدة الدينية الروحية المحضة، ألا وهي، تقديس أمر الله وتعظيمه، وابتغاء مرضاته، لكن نزوغ الفكر الجديد إلى تعليل كل ظاهرة دينية أو فنية قد لا يقتنع بغير إظهار ما يرمى إليه غرض الشارع في مثل هذه الشعيرة ال [ ... ]


كلمة رئيس الجمهورية الجزائرية في الدفاع عن خير البرية
28/10/2008 | :المجاهد عبد العزيز بوتفليقة
article thumbnail

ألقى رئيس الجمهورية عبد العزيز بوتفليقة  وفقه الله لكل خير،يوم الإثنين: 24 مارس 2008م  كلمة بمناسبة افتتاح الأسبوع التاسع للقرآن الكريم هذا نصها: "بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على أشرف المرسلين وعلى آله وصحبه الى يوم الدين. أيتها السيدات ا [ ... ]


حذار يا ناس من الفتوى على المقاس..
21/10/2008 | عزالدين ميهوبي
article thumbnail

وأما أنا، وأعوذ بالله من قولة أنا، فأحسب أنني أوتيت شيئا من العقل الذي كرمني به الله عز وجل للتمييز بين الخير والشر،  وبين الشيء ونقيضه، فقرأت القرآن الكريم وتتبعت ما جاء في السنة النبوية المشرفة واطلعت على ما جاء في الأثر عن الخلفاء الراشدين وما تواتر عن الصحابة والتابعي [ ... ]


عن أي كاميكاز تتحدثون؟
21/10/2008 | عزالدين ميهوبي
article thumbnail


لا أفهم لماذا يسعى كثير من الناس عندنا وعندهم (..) وبدرجة أخص من وسائل الإعلام،  إلى محاولة التفريق بين "القاعدة" و"الجماعة الإسلامية المسلحة" و"الجماعة السلفية للدعوة والقتال" وتنظيمات أخرى شبيهة تأخذ أشكالا ومسميات فيها من الابتداع المرتبط بالدين والعقي [ ... ]


فكأنما قتل الناس جميعا
11/10/2008 | عزالدين ميهوبي
article thumbnail

جريمة لا تغتفرعندما يتحدث الناس عن القتل يعودون دائما إلى واقعة قابيل الذي اكتشف سر الجريمة حين أخذ حجرا وهشم رأس أخيه هابيل حتى الموت ولم يكتشف سر إخفاء فعلته لولا أن غرابا دله على ذلك.. ومن ذلك اليوم صار قابيل بن آدم عليه السلام مرجع البشرية في إزهاق الروح والقتل العمدي.... [ ... ]


مقالات أخرى
    باقي على شهر رمضان
    

    العدد 16 

     

    رسالة البدر

    images/resized/images/stories/demo/18-1_78_59.jpgimages/resized/images/stories/demo/18-2_78_63.jpgimages/resized/images/stories/demo/18-3_78_48.jpgimages/resized/images/stories/demo/18-4_78_59.jpgimages/resized/images/stories/demo/18-5_78_55.jpgimages/resized/images/stories/demo/18-6_78_53.jpgimages/resized/images/stories/demo/18-7_78_48.jpgimages/resized/images/stories/demo/18-8_78_55.jpg
    يوجد حاليا 2 زوار المتواجدون الآن
    اليوم153
    أمس255
    هذا الأسبوع1112
    هذا الشهر9746
    جميع الزوار131046
    
    اشترك في القائمة البريدية ليصلك جديد المجلة
    Partly Cloudy Sunny Sunny
    31C 33C 33C
    الجمعة السبت الأحد

    المحاور الرئيسية