|
جريمة لا تغتفرعندما يتحدث الناس عن القتل يعودون دائما إلى واقعة قابيل
الذي اكتشف سر الجريمة حين أخذ حجرا وهشم رأس أخيه هابيل حتى الموت ولم يكتشف سر
إخفاء فعلته لولا أن غرابا دله على ذلك.. ومن ذلك اليوم صار قابيل بن آدم عليه
السلام مرجع البشرية في إزهاق الروح والقتل العمدي....
عودوا إلى التاريخ وستعرفون كم من الأرواح زهقت باسم
السياسة والدين والعصبية وابتغاء المجد والثأر والعبثية.. فقد حصدت الحروب
البونيقية بين روما وقرطاج الملايين ولا مبرر لذلك إلا رغبة في امتلاك سلطان البحر
المتوسط وممارسة الإذلال الذي تزينه القوة..
فتضرى إذا ضريتموها فتضرم
فهذا نيرون يستشيط في لحظة غضب وتتحرك في نفسه لذة القتل
فيضرم النار في روما ويبيد أهلها ثم ينفجر باكيا ندما على فعلته.. ومثله كان يفعل
كاليغولا الموسوم بالإمبراطور الدموي الذي لم يكفه أن منح حصانه لقب قنصل (..) بل
أصبح يزج رؤوس الناس كل صباح وكأنه يمارس هواية قطع رؤوس الدمى.
قتل امرئ في غابة
قضية فيها نظر
لقد أدت فتاوى الدم إلى الإيقاع بعشرات الشباب في أحابيل
الفتنة، فصار من اليسير أن يقتل الولد أخاه ليتقرب به إلى الله باسم الله سبحانه
وتعالى منزها عن أفاعيل الإفك والفهم المغلوط لمقاصد الشرع والشريعة.
لكم آلمني ذلك الفتى الذي ألقي عليه القبض بعد عملية
استهدفت جمعا من الناس كانوا في مكان عمومي وهو يقول عندما سئل عن عدد الجرائم
التي اقترف باسم الدين "لا أعرف.. ولكنها تتجاوز الألف" قالها ببرودة
وكأن الأمر يتعلق باصطياد كلاب ضالة.. فمن يتحمل وزر هذه الجرائم؟ إنها الفتوى
الصادرة عن دوائر الفهم الغالط لمقاصد الدين الحنيف. فهل من توبة لصناع الموت باسم
الدين والشهادة؟..
متى تبعثوها تبعثوها ذميمة
مع هذه الصورة القاتمة في بلد العلم والمعرفة والأدب
والحضارة، أعود إلى الجزائر التي فعل القتل المجاني فيها فعلته.. وصار الناس الأبرياء
من كل فعل ديني أو سياسي يقتلون تحت تأثير فتوى صادرة من أناس لا يعرفون شيئا عن
هذا الشعب المجاهد والمكابر والممسك على الحق كما يمسك على جمر حارق.. فصار قتل
الطفل يقود صاحبه إلى الجنة، وإبادة العائلات العزلاء لا تكافأ إلا بقصور في
الفردوس.. وتدمير وحرق ممتلكات الناس تعني تخليص الأمة من شرور الطواغيت (..)
فقرأنا فتاوى لأبي قتادة وبعض الشيوخ النكرات غير المؤسسة على أي مرجعية فقهية أو
قاعدة شرعية، ولا يفهم منها سوى التحريض على القتل، والدفع بكثير من الأبرياء إلى
القيام بالإثم والجريمة تحت لبوس الإسلام والحكم بما أنزل الله.
وباسم الدين اجتمعت جيوش ممالك أوروبا واتجهت إلى بيت
المقدس لتستعيدها وتعيد معها مجد الصليب المتهالك بعد انتصارات الفتح الاسلامي
شرقا وغربا.. ومن عجائب هذه الحروب المقدسة كما أسموها أن فقد فيها العالم الرباني
التلمساني سيدي بومدين شعيب ذراعه دفاعا عن حرمة بيت المقدس.. وفقد فيها صاحب
الرائعة الأدبية "دون كيشوت" الإسباني سيرفانتيس ذراعه هو الآخر قبل أن
يجد نفسه وهو في طريق عودته من القدس خائبا ومهزوما أسيرا في مدينة الجزائر..
وباسم العصبية والثأر ظلت قبائل العرب تعيش على الموت
والقتل مئات السنين، حتى صار الناس يعرفون البسوس وداحس والغبراء.. وفي شعر
القدامى ما يكشف أن دعاة السلم والعيش المشترك ورفض الحروب كثيرون، ألم يقل
شاعرهم:
وجاء هتلر بنزعته النازية ليدخل العالم في حرب عالمية
واسعة، لم تنته إلا بأزيد من خمسين مليون قتيل وبإلقاء قنبلتين نوويتين على
هيروشيما وناغازاكي في سابقة أنذرت العالم بأنه مقبل على حروب أكثر إيلاما.. ولم
تنته حرب هتلر وموسيليني إلا بانتحار الأول وشنق الثاني وفاتورة دفعتها شعوب لا
تعرف لماذا اقتيدت إلى جبهات الموت ليموت أبناؤها دفاعا عن باريس ولندن..
وذكرت كتب التاريخ أن أمريكا حين وفدت إليها جموع
الأوروبيين، بعد اكتشافها، شهدت إبادة منظمة للهنود الحمر وغيرهم من الشعوب
الأصلية التي قاومت غزوا تم باسم الدين ونشر قيم التمدن والحضارة.
ورحنا نقرأ بعد أربعة عشر قرنا شعرا آخر يكشف مأساة
الإنسان إزاء القتل والإبادة، حين صار الناس يتساءلون عن السبب في مقتل الأميرة
ديانا ويفردون لذلك كتبا وتحقيقات تلفزيونية، بينما لا يهتمون لمقتل مليون من
البشر في رواندا بسبب التطهير العرقي. يقول الشاعر:
وعندما أسمع أن هيئة الأمم المتحدة أصدرت منذ ستين عاما
ما يربو عن 1700 قرار يتعلق بالحروب والنزاعات أتساءل كم من قرار وجد طريقه إلى
التطبيق وإيقاف الحرب والإبادة.. لا شيء يذكر من ذلك، ما دامت الهيئة الأممية غطاء
للحرب بامتياز.
وعندما اغتيل أمير نمساوي في سراييفو أشعلت أوروبا حربا
عالمية أولى كان وقودها أناس أبرياء لا صلة لهم بالأمير ولا بقاتل الأمير.. ولكن
الفاتورة لا بد من أن يدفعها واحد من الناس.
وعندما اكتشف الإنسان النار والحديد والبارود لم يعد
لحياة الناس ذلك الموقع المقدس، بل صار القتل بالآلاف والملايين أمرا عاديا، إن لم
يكن مستحبا لدى بعض الشعوب المحاربة (..) كما تقول كتب التاريخ.. فصرنا نسمع عن
معارك وحروب يسقط فيها البشر الأبرياء جراء فعلة أفراد متعطشين للدم، وكأنهم
ذباب..
وفي النصف الأخير من القرن المنقضي صار العالم، والعرب
خصوصا، مادة يومية لأخبار الموت والتصفية والإبادة، إن فيما تشهده فلسطين السليبة،
أو العراق والسودان ولبنان والصومال.. صارت كلها عنوانا للموت المؤسس على فتنة
الكرسي أولا وتوظيفا للطائفية والدين والثأر ثانيا وتنفيذا لمخطط أمريكي وصهيوني
يستهدف تدمير قدرات المقاومة ونهب الثروات وإعادة تقسيم المنطقة وفق مصالح حيوية
تخدم رغبة إسرائيل وتحد من إمكانية بروز قوة عسكرية في المنطقة.. ولنا فيما يحدث
في العراق من تقتيل واستباحة لأرواح الأبرياء ممن لا علاقة لهم لا بزيد أو عمرو أو
صاحب عمرو.. ذنبهم الوحيد أنهم أبناء العراق وجدوا الناس يصلون نحو الكعبة ففعلوا..
وجاء من أفتى لهم بأن الإيمان لا يكتمل إلا بقطع الأعناق والتفريق بين السنة
والشيعة في العراق.. وانتشرت الفتنة وعم الشقاق.
وقتل شعب آمن
ولا يمكن أن نقفز على أفاعيل نابوليون الذي خرج من فرنسا
طالبا السيطرة على العالم في حروب أكلت الملايين ورمت به في جزيرة سانت هيلانه
ليموت وحيدا كالجمل الأجرب..
ولعل الذي يثير الدهشة
والاستغراب أن يأتي شخص ليقتص باسم الدين من شخص آخر بدافع فتوى أو فهم ديني مغلق،
ويقتل شخصا آخر يشهد له بالإيمان والتقوى.. فمن أين استمد القاتل وصايته على أرواح
الناس؟ وماذا يعني أن تزهق روح طفل في المهد بدعوى أنه سينشأ في بيئة كافرة؟ وأسأل
القاتل إن قرأ الآية القرآنية " الكريمة’’ومن قتل نفسا
بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل
الناس جميعا ومن أحياها
فكأنما أحيا الناس جميعا’’( المائدة 32) وفهم معناها..
ولعل الصورة التي نراها كثيرا لتلك الجماجم المكدسة في
قاعات واسعة لما قام به بول بوت والخمير الحمر في كامبوديا يؤكد أن حياة البشر
مستباحة كما لو أنها من سقط المتاع..
ولم يتوقف العالم عند نابوليون بل راح سلطان السيطرة
والقتل والنهب يمتد من أوروبا إلى إفريقيا وآسيا في سبيل توسيع النفوذ وكشف
الأوروبيون عن وجه قبيح، فاجتمع قادتها وقسموا العالم بينهم وكأنه قطعة حلوى في
عيد ميلاد.. وكان من نتائج ذلك أن قتل الملايين، وما زالوا يدفعون فاتورة ذلك إلى
اليوم، جهلا وأمية وتفقيرا.
ولم يتوقف جنون القوة والحرب بعد أن اختار الفرقاء موقع
المواجهة الباردة (..) بل ظلت ثقافة الموت سائدة لدى شعوب المستعمرات، حين استخدمت
كل أساليب الترويع والتركيع، في الجزائر عندما أقدمت فرنسا على قتل الآلاف بدم
بارد لأنهم طالبوا بحقهم في الحرية والعيش بكرامة. ولأن الحرية لا تمنح إلا بمزيد
القرابين والتضحيات، فقد انتصر الشعب الجزائري لأن ديدنه رفض الاذلال والاحتلال.
وما الحرب إلا ما علمتم وذقتم
وما هو عنا بالحديث المرجم
ومثل هؤلاء فعل جنكيز خان الخارج كالطاعون من آسيا الوسطى
ليدك بجيوشه الجرارة قلاع ممالك وامبراطوريات في سبيل التمكين لسلطانه ولو على
جماجم الآلاف من الذين لا ناقة لهم ولا جمل فيما يحدث.. وجاء بعده هولاكو وفعل
فعلته التي جعلت منه واحدا من رموز القتل والإبادة والشر في العالم.. ومثلهما فعل
تيمورلنك، القائد الأعرج، حين أقام أهرامات من جماجم البلدان التي غزاها واحتلها
بالقوة باسم كل شيء حتى.. الدين.
 |