معجزة القرآن الكريم
كتـب المقال .بقلم: إسماعيل البغدادي   
الأربعاء, 19 أغسطس 2009 20:22

 

moejizaإنَّها أعظمُ الآيات وأبهرُ المعجزات ودليلٌ من دلائل نبوَّته عليه الصلاة والسلام، تلكم هي معجزة القرآن الكريم، الآية العظمى والمعجزة الخالدة والمستمرَّة على تعاقب السنين.

أنزله الله عز وجل على محمَّد خاتم الأنبياء والمرسلين، عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم ليكون حجة على الخلق جميعًا، إنسِهم  وجنِّهم على حدٍّ سواء، فتحدَّاهم الله عزَّ وجل في غير ما آية على أن يأتوا بمثله فما استطاعوا إلى ذلك سبيلا، ولقد صدق الله إذ يقول ( قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآَنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ) الإسراء: ٨٨،  يبيِّن الله  عزَّ وجل في هذه الآية الكريمة أنَّ الخلق جنَّهم وإنسَهم عاجزون عن معارضة هذا القرآن بأن يأتوا بمثله، بل عن عشر سور مثله، بل حتى عن سورةٍ منه، وإنَّهم لا يستطيعون ذلك أبدا إلى يوم القيامة ولو كان بعضهم –من الجن- لبعضهم -من الإنس- ظهيرا ما استطاعوا إلى ذلك سبيلا،                 

إنَّه القرآن الكريم الذي مع طول الزمان كما يقول شيخ الإسلام وقد سمعه الموافق والمخالف والعرب والعجم، فما أحد في الأمم أظهرَ كتابا يقرأه الناس وقال إنَّه مثلُه وهذا يعرفه كلُّ أحد وما من كلام تكلَّمَ به الناس وإن كان في أعلى طبقات الكلام لفظا ومعنًى إلا وقد قال الناس نظيرَه وما يشبهه وما يقاربه، والقرآن الكريم ممَّا يعلم الناس جميعا عربُهم وعجمُهم لم يوجد له نظيرٌ مع حرص العرب وغير العرب على معارضته، فلفظه آية، ونظمه آية، وإخباره بالغيوب آية، وأمره ونهيه آية، ووعده ووعيده آية، وجلالته وعظمته وسلطانه على القلوب آية من آيات الله عز وجل، وإذا تُرجِم بغير العربية كانت معانيه آية من آيات الله، كلُ ذلك لا يوجد له نظير في العالم بأسرِه ولن يوجد له نظير، فليس من آية ولا علامةٍ أبدعَ ولا أروعَ من القرآن الكريم.

فتحداهم الله عزّ وجلّ به يقرعُ أسماعهم مع ما لديهم من الفصاحة واللسان والبلاغة والبيان على أن يأتوا بسورة يخترعونها بأهون سعي وأدنى كلفة، فلم يقدروا على ذلك، وأنَّى لهم ذلك وكلامُ الله عز وجل المنزَّل على رسوله هو كما أخبر عنه سبحانه في قوله: (إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ (13) وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ) الطارق: ١٣ – ١٤

وكون القرآن معجزة كما يقول العلماء ليس راجع فقط إلى جهة فصاحته وبلاغته فقط أو نظمه وأسلوبه فقط ولا من جهة إخباره بالغيوب فقط ولا من جهة صرف الدواعي عن معارضته أو سلب قدرتهم عن معارضته فقط بل هو آية بيِّنة من وجوهٍ متعددة من جهة اللفظ ومن جهة المعنى ومن جهة معانيه ومن جهة النظم ومن جهة البلاغة في دلالة اللفظ على المعنى، ومن جهة معانيه التي أخبر بها عن الغيب الماضي وعن الغيب المستقبل ومن جهة ما أخبرَ به عن المعاد ومن جهة ما بيَّن فيه من الدلائل اليقينية والأقيسة العقلية التي هي الأمثال المضروبة في القرآن كما قال تعالى (وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآَنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا) الإسراء: ٨٩.

ولقد تحدَّى اللهُ عزّ وجلّ فصحاءَ العرب على الإتيان بمثل القرآن فما استطاعوا إلى ذلك سبيلا ثم تحداهم على أن يأتوا بسورة مثله -وهو أقل ما جاء في التحدي الذي معناه أن يدعوهم فيبعثهم على أن يعارضوه- فما استطاعوا ولن يستطيعوا إلى يوم القيامة، يقول تعالى (وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (23) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ )البقرة: ٢٣ – ٢٤، أي فإن لم تفعلوا في الماضي ولن تفعلوا في المستقبل... وهو تحدٍّ آخر بأنَّه لا يمكن معارضتُهم له لا في الحال ولا في المآل، ومثل هذا التحدي إنَّما يصدر عن واثق بأنَّ ما جاء به لا يمكن للبشر معارضته ولا الإتيان بمثله.

يقول الإمام البيهقي رحمه الله في كتابه ( دلائل النبوة): (من وقف على ما أخذه العلماءُ من القرآن الكريم على إيجازه من أنواع العلوم واستنبطوه من معانيه، وكتبوه ودوَّنوه في كتبٍ لعلَّها تزيد على ألف مجلدة، علم أنّ كلام البشر لا يفيد ما أفاد القرآن وعلم أنّه كلام ربِّ العزة سبحانه وتعالى وهذا بيِّن واضح لمن هدي إلى صراط مستقيم.

وقد تكلم العلماء كثيرا في وجوه إعجاز القرآن الكريم وألَّفوا الكتب والرسائل في بيان ذلك، والحقيقة هي كما قال السكاكيُّ رحمه الله: (إنَّ إعجاز القرآن يُدرَك ولا يمكن وصفُه )، ولكنَّ هذا الإدراك ربما قد لا يتهيأ إلا لأرباب الفصاحة والبيان الذين يعلمون من اللغة العربية مالا يعلمه كثيرٌ من الناس ممَّن أصيبوا بحُمَّى الحضارة الغربية وأصبحوا يجهلون الكثيرَ من معاني لغتهم العربية.

ولقد ذكر العلماء من وجوه إعجاز القرآن حسنَ تأليفه وصورةَ نظمه العجيب، وأنَّه بديعُ النظم عجيب التأليف وأنَّ الله توعد بحفظه من التحريف والتبديل والزيادة والنقص على تطاول الدهور وانقضاء الفصول وكثرة الحاسد والمعاند.

ومن وجوه إعجازه أيضا الروعةُ التي تعتري سامعيه من الأبرار والفجار، فأمَّا الفاجر فيستثقله ويزيده نفورا، وأما المؤمن فيقشعرُّ جلده ويُكسبه ذلك هشاشة وبشاشة، وقد مات كثيرٌ من الصلحاء عند سماعهم القرآن واعترت جماعة ممن رام معارضته روعة وهيبة حملتهم على التوبة والرجوع إلى الله عز وجل.

ومن وجوه إعجازه أيضاً آياتٌ وردت بتعجيز قومٍ في قضايا خاصة بما هو في مقدورهم فلم يقدروا كقصة تمنِّي الموت والمباهلة.

ومنها أيضا أنَّه لا يزال غضَّا طريا لا تمجُّه الأسماع ولا تستثقله الطباع، وغيرُه من الكلام لو بلغ في الحسن أيَّ مبلغٍ فإنه يمَلُّ مع الترديد ويعادى إذا أعيد.

ومنها أيضا جمعُه لعلومٍ ومعارفَ لم يحظى بها أحد من علماء الأمم ولا أحاطت بها كتبهم، فجُمِِع فيه من بيان علم الشرائع والتنبيه على طريق الحجج العقليات -كما في قولهتعالى  (لَوْ كَانَ فِيهِمَا آَلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ) الأنبياء: ٢٢ - إلى ما حواه من علوم السير وأنباء الأمم والمواعظ وأخبار الآخرة ومحاسن الآداب وغير ذلك،  يقول تعالى ( وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ )الأنعام: ٣٨.

وقد صح عن علي رضي الله عنه موقوفا -مبينا كلَّ ما ذكرناه من وجوه إعجاز القرآن- قوله: (إنّ الله أنزل هذا القرآن آمرا وزاجرا، وسنةً خالية ومثلا مضروبا، فيه نبأكم وخبرُ ما كان قبلكم، ونبأ ما بعدَكم، وحكمُ ما بينكم، لا يخلقه طولُ الرد ولا تنقضي عجائبه، هو الحق ليس بالهزل، من قال به صدق ومن حكم به عدل، ومن خاصم به فلج، ومن قسم به أقسط، ومن عمِل به أجِر، ومن تمسَّك به هُدِي إلى صراطٍ مستقيم، ومن طلب الهدى في غيره أضلَّه الله، ومن حكم بغيره قصمه الله، هو الذكر الحكيم والنور المبين والصراط المستقيم وحبل الله المتين والشفاء النافع، عصمة لمن تمسَّك به ونجاة لمن اتبعه). رواه الترمذي

ولقد أحسن صاحب البردة في وصف آيات القرآن في أبيات له نذكر منها قوله:

آياتُ حقٍ من الرحمن محدثةٌ            قديمةٌ صفة الموصوف بالقدمِ.

لم تقترن بزمان وهي تخبرنا            عن المعاد وعن عاد وعن إرم.

دامت لدينا ففاقت كلَّ معجزةٍ             من النبيين إذ جاءت ولم تدُم.

محكمات فما تبقين من شبهٍ               لدى شقاقٍ وما تبقين من حكم.
ما حوربت قطُّ إلا عاد من حرب        أعدى الأعادي إليها ملقيَ السلم.

ردَّت بلاغتها دعوى معارضِها          ردَّ الغيور يد الجاني على الحرم.

لها معانٍ كموج البحر في مدد            وفوق جوهره في الحسن والقيم.

فما تعد ولا تحصى عجائبها               ولا تسأم على الإكثار بالسأم.

قرَّت بها عينُ قاريها فقلت له             لقد ظفِرت بحبل الله فاعتصم.

لا تعجبن بحسود راح ينكرها             تجاهلا وهو غير الحاذق الفهم.

قد تنكر العين ضوء الشمس من رمد    وينكر الفم طعم الماء من سقم.

ولقد تأثر أعداء الإسلام من كفار قريش وغيرهم عند سماعهم القرآن وشهدوا له بالإعجاز كما فعل الوليد بن المغيرة، وهو أحد فرسان البلاغة وسادة البيان العربي حيث جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقرأ عليه القرآن فرقَّ له وهاله إعجازه واستبدت له روعتُه فسارع إلى قومه يقول لهم: (لقد سمعت من محمد كلامًا ما هو من كلام الإنس ولا هو من كلام الجنِّ، وإنَّ له لحلاوة وإنَّ عليه لطلاوة، وإنَّ أعلاه لمثمر وإنَّ أسفله لمغدق، وإنَّه يعلو ولا يعلى عليه).

ولقد جاء مرة إلى أصحاب رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فقال لهم: (إقرؤا عليَّ شيئا من القرآن) فقرؤا عليه فقال: (ليس هذا من كلام البشر وليس بشعر، فمضى إليه أبو لهب وقال له: (لقد أفسدت قريشا بهذا القول فارجع عنه فقال وهو في حيرة من أمره: (أقول أنّه سحر وقد تعاطاه من الشعراء –من الذين أرادوا أن يأتوا بمثل القرآن– فما استطاعوا أن يأتوا بشيء من أسلوبه، فخرجوا عن أسلوبه إلى طريقة شعرهم)، يقول أحدهم في قصة الفيل:

ألا من مهلك الفيل           ومن سار مع الفيل

بطير صبَّه الله               عليهم من أبا بيل

رمتهم بجنادل              ترى من طين سجيل

فأضحى القوم في القاع     كعصف غير مأكول

فلم يساعده الطبع عليه مع أخذ معانيه واستعمال ألفاظه حتى عاد إلى مطبوع شعره، وضمَّن آخر-من الشعراء- شيئا من القرآن في شعره فخرج به عن أسلوب القرآن حيث يقول:

وقرأ معلنًا ليصدع قلبي          والهوى يصدع الفؤاد السقيما

أرأيت الذي يكذب بالدين              فذاك الذي يدعُّ اليتيما

هكذا عجز خصوم القرآن عن مواجهة تحديه، وسيظلُّ ما بقيت الحياة معجزا للإنس والجن على حد سواء، وهذا ما سجله القرآن في قوله تعالى: ( قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآَنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ) الإسراء: ٨٨.

ومن هؤلاء أيضا- من الذين تأثروا بالقرآن ولم يؤمنوا به– عتبة بن ربيعة وهو أحد عظماء قريش جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم يقول له: (يا ابن أخي إني أراك أوسطنا بيتا وأفضلنا مكانا وقد أدخلت على قومك ما لم يُدخِل رجل على قومه مثلَه، فإن كنت تطلب بهذا الحديث مالا جمعنا لك حتى تكون أكثرنا مالا، وإن كنت تطلب شرفا فنحن نشرِّفك حتى لا يكون أحدٌ من قومك أشرفَ منك، ولا نقطع أمرا دونك، وإن كنت تريد مُلكا ملكناك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أفرغت يا أبا الوليد)، قال: (نعم)، فقرأ عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم سورة حم السجدة، حتى مرَّ بالسجدة فسجد وعتبة ملق يده خلف ظهره حتى فرغ من قراءتها، ثم قام عتبة حائرًا ما يدري ما يرجع به إلى قومه –الذين أرسلوه إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم ليرده عن دينه– فلما رآه قومه مولِّيا قالوا جميعا: (والله لقد رجع إليكم بوجه غير ما قام به من عندكم –وذلك لسماعه القرآن– فجلس إليهم وقال لهم: (يا معشر قريش قد كلمته بالذي أمرتموني به، حتَّى إذا فرغت كلمني بكلام لا والله ما سمعت أذناي مثله قط، وما دريت ما أقول له، يا معشر قريش أطيعوني اليوم واعصوني فيما بعده واتركوا الرجل واعتزلوه، فو الله ما هو بتاركٍ ما هو عليه، وخلُّوا بينه وبين سائر العرب، فإن يظهر عليكم يكن شرفه شرفكم وعزه عزكم، وإن يظهروا عليه تكونوا قد كفيتموه بغيركم). فقالوا جميعا: (صبأت يا أبا الوليد)، أي: لقد سحرك محمد صلَّى الله عليه وسلَّم بالقرآن وغيَّرت دينك لدينه.

هذه بعض النماذج من شهادة بلغاء وعظماء قريش لعظمة هذا القرآن وصدق الله إذ يقول: (وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ( النمل: ١٤، لقد استيقنت أنفسهم أنَّه من عند الله ليس بشعر ولا بسحر إنما هو وحي يوحى.

ولقد كان سماعُ القرآن سببَ دخولِ كثيرٍ من الناس في الإسلام أولَ الأمر. ومن ذلك قصة الصحابي الجليل الطفيل بن عمرو الدوسي رضي الله عنه حيث كان شاعرا نبيلا  كثير الضيافة فقدم إلى مكة فمشى إليه رجالٌ من قريش فقالوا له: (يا طفيل إنَّك قدمت بلادنا وهذا الرجل بين أظهرنا، قد فرَّق جماعتنا وشتَّت أمرنا وإنَّما قوله كالسحر يفرِّق بين الرجل وأبيه، وبين الرجل وأمِّه، يقول رضي الله عنه: (فو الله ما زالوا بي حتى أجْمَعت أن لا أسمع منه شيئا ولا أكلِّمه، فأبى الله عز وجل إلا أن يسمعني بعضَ قوله)، قال: فمكثت حتى انصرف إلى بيته فقلت : (يا محمد إنَّ قومك قالوا لي كذا وكذا حتى سددت أذنيَّ بكرسف (أي بقطن)، ِلئلا أسمع قولك فاعرض عليَّ أمرك)، فعرض عليه الإسلام وقرأ عليه القرآن فقال رضي الله عنه _ونعم ما قال_: (لا والله ما سمعتُ قولا قط أحسن من هذا، ولا أمرا أعدل منه)، فأسلم رضي الله عنه وكان سببا في إسلام قومه دوس لأنه كان سيدا مطاعا في قومه.

ولما قدم نفرٌ من النصارى من الحبشة على النبي صلى الله عليه وسلم وهو بمكة، وذلك حين بلغهم خبره فوجدوه في المسجد فجلسوا إليه وكلَّموه وسألوه –ورجال من قريش في أنديتهم حول الكعبة– فلما فرغوا من مسألتهم دعاهم رسول الله صلَّى الله عليه وسلم إلى الإسلام وتلا عليهم القرآن فلما سمعوه فاضت أعينهم من الدَّمع رضي الله عنهم، فاستجابوا له وآمنوا به، فلمَّا قاموا عنه اعترضهم أبو جهل ونفرٌ من قريش كما هي عادتهم يصدُّون الناس عن سماع القرآن، قال لهم أبو جهل: (خيَّبكم الله من ركب، بعثُكم من ورائكم من أهل دينكم ترتادون لهم لتأتوهم بخبر الرجل فلم تطمئنَّ مجالسكم عنده حتى فارقتم دينكم وصدقتموه بما قال، ما نعلم ركبا أحمق منكم)، فقالوا لهم رضي الله عنهم: (سلام عليكم لا نجاهلكم، لنا ما نحن فيه ولكم ما أنتم فيه)، وهذا الكلام يقال لكل من أعرض عن العلم ولم يرفع بالأدلة والحجج رأسا، يقال لهم: (سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ )القصص: ٥٥

ويُقال أنَّ هؤلاء القوم من أهل نجران وفيهم نزل قوله تعالى: (الَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ (52) وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آَمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ (53) أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (54) وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ) القصص: ٥٢ – ٥٥

هذا غيضٌ من فيض وقليلٌ من كثير، بل هو أقلُّ ما يذكر في هذا المقام العظيم الذي فيه بيان عظمة القرآن الكريم وسلطانه على النفوس حتى تنقاد إلى الإيمان به سبحانه، وبأنَّه من عند الله ليس بسحر ولا بشعر، (إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى ) النجم: ٤

نسأل الله عز وجل أن ينفعنا بالقرآن العظيم، وأن يجعله ربيع قلوبنا وذهاب همومنا وغمومنا، وأن يجعلنا مفاتيح خير مغاليق شر، إنَّه على ذلك قدير وبالإجابة جدير، والحمد لله رب العالمين وصلَّى الله وسلَّم على نبيِّنا محمَّد.

 

 
المشاهدات: 2344
التعليقات (0)Add Comment

أضف تعليق
تصغير | تكبير

busy
 
ملمح التغيير في القرآن الكريم.
14/06/2010 | ربيع بن محمد ميسوم.
article thumbnail

  إن الدارس والمتفرس لحقائق القرآن الكريم  بما حوى من آيات وتفسيرات، وبخاصة ما تعلق منها بمنهجية تغيير حال الأمم والمجتمعات، التي رست على شاطيء الكفر والجاهلية ردحا من الزمن، إلى أن جُرت بعبارة التوحيد والإيمان إلى بر الأمن والآمان، يعلم يقينا أن هناك جهدا [ ... ]


من أروع ما فسر به
14/06/2010 | اعتنى بها: بودربالة فريد
article thumbnail

من أروع ما فسر به قوله تعالى: ﴿ إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا ﴾[الإسراء: 9]. للإمام محمد الأمين الشنقيطي-رحمه الله- الحلقة الأولى: إن من أروع  [ ... ]


عظمة القرآن الكريم
24/02/2010 | بقلم :أبي سعيد بلعيد الجزائري
article thumbnail

1- تعريف القرآن الكريم:هو كلام الله المنزّل على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم بلسان عربي مبين، المعجِز بلفظه ومعناه، المتعبّد بتلاوته، المنقول إلينا بالتواتر، المحفوظ في الصدور، والمكتوب في المصاحف. 2-منزلته:إن الله أنزل هذا القرآن الكريم لهداية البشر إلى الخير و [ ... ]


....إقامةُ الدليل على خطأ من يستدل
23/02/2010 | د. صادق سليم
article thumbnail

إقامةُ الدليل على خطأ من يستدل بقوله تعالى (أم لهم شركاء ...) , على كُفْر المُشَرِّعين بلا تفصيل الحمد لله العليّ القدير،والصلاة والسلام على البشير النذير،والسراج المنير،وعلى من تبعه،واهتدى بهديه،وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين،وبعد:نواصل ضمن هذه السلسلة،رد [ ... ]


معجزة القرآن الكريم
19/08/2009 | .بقلم: إسماعيل البغدادي
article thumbnail

  إنَّها أعظمُ الآيات وأبهرُ المعجزات ودليلٌ من دلائل نبوَّته عليه الصلاة والسلام، تلكم هي معجزة القرآن الكريم، الآية العظمى والمعجزة الخالدة والمستمرَّة على تعاقب السنين. أنزله الله عز وجل على محمَّد خاتم الأنبياء والمرسلين، عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم [ ... ]


معالم المنهج القرآني في دعوة المخالفين
18/08/2009 | ربيع محمد ميسوم
article thumbnail

ما هي إلا أيام، ويطلّ علينا هلال رمضان معلنا بذلك قدوم "شهر القرآن" الذي أنزل في طياته الفرقان، كما قال عزّ من قال( شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآَنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ) البقرة: ١٨٥ حاملا بين ثناياه ل [ ... ]


وَلاَ تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمْ السَّلاَمَ لَسْتَ مُؤْمِناً
13/06/2009 | عبد الحليم توميات
article thumbnail

وَلاَ تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمْ السَّلاَمَ لَسْتَ مُؤْمِناً ... فإنّي أدعو قرّاءنا الأعزّاء إلى أن يصحبوني إلى أرض من أراضي الجزيرة العربيّة.. أرضِ جهينة.. فنقف على مشارفها لنشهد حدثا من أحداثها.. حدثٌ عظيم في طيّاته أصل من أصول الإسلام عظيم، وإن استهان به [ ... ]


آداب المفسر
25/03/2009 | عبد الحليم توميات
article thumbnail

الحمد لله والصّلاة والسّلام على رسول الله، أمّا بعد: فالمقصود بالمفسّر الّذي يُطالَب بهذه الآداب والشّروط هو من يفسّر القرآن ابتداءً، أو يرجّح قولا على قول من كلام المفسّرين، وثمرة معرفة هذه الشّروط والآداب أن يحسن الطّالب للتّفسير اختيار الكتب في ذلك.


النصر والتمكين في كتاب ربّ العالمين
23/03/2009 | الطاهر ضروي
article thumbnail

الحمدُ لله ربِّ العزّة ربّ العالمين، وليِّ التّمكين للدّين، الملِكِ الحقِّ المُبين، خيرِ النّاصرين، وأحكمِ الحاكمين، لا إله إلا هو يقصّ الحقَّ وهو خيرُ الفاصلين، مجّدَ نفسَه في كتابه بامتلاكِه وحدَه لأسباب النّصر والتّمكين، فقال: (وَالَّذِينَ تَدْعُو [ ... ]


أضواء البيان في إيضاح وصية لقمان
17/01/2009 | أبو معاذ السبتي ابن العربي
article thumbnail

(وَلَقَدْ آَتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (12) وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنّ [ ... ]


من بلاغة القرآن الكريم في المدح والذم
12/01/2009 | هواري طالبي
article thumbnail

 إنّ إدراك الكلام البليغ لا يتأتّى إلا عن طريق الدراسة و البحث و التأمل، و من أجل ذلك جاء علم البلاغة ليكشف للدارسين عن العناصر البلاغية المميِّزة للكلام البليغ عن غيره، و ليس في الوجود كلام أبلغ من كلام ربّ العالمين؛ إذ لا نظم يدانيه على الإطلاق.قال تع [ ... ]


الحج وأثره في توحيد المسلمين
31/10/2008 | أبي سعيد بلعيد الجزائري
article thumbnail


مقالات أخرى
باقي على شهر رمضان


العدد 16 

 

رسالة البدر

images/resized/images/stories/demo/18-1_78_59.jpgimages/resized/images/stories/demo/18-2_78_63.jpgimages/resized/images/stories/demo/18-3_78_48.jpgimages/resized/images/stories/demo/18-4_78_59.jpgimages/resized/images/stories/demo/18-5_78_55.jpgimages/resized/images/stories/demo/18-6_78_53.jpgimages/resized/images/stories/demo/18-7_78_48.jpgimages/resized/images/stories/demo/18-8_78_55.jpg
يوجد حاليا 6 زوار المتواجدون الآن
اليوم147
أمس255
هذا الأسبوع1106
هذا الشهر9740
جميع الزوار131040

اشترك في القائمة البريدية ليصلك جديد المجلة
Partly Cloudy Sunny Sunny
31C 33C 33C
الجمعة السبت الأحد

المحاور الرئيسية