إن وصايا لقـمان
الحكيم لابنه من أعظم الوصايا التي ذكرها ربنا عز وجل في القـرآن الكريم جمعت بين
العقـيدة والعبادة والتربية والأخلاق،فهي في الحقيقة وصايا، نافعة، جامعة، حري بكل
مسلم أن يتدبرها ويتعلمها ويعمل بها.
قال
تعالى: (وَلَقَدْ آَتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ
وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ
غَنِيٌّ حَمِيدٌ ) قال العلامة السعدي رحمه الله في
تفسيره:يخبر تعالى عن امتنانه على عبده الفاضل لقـمان
بالحكمة،وهي العـلم بالحق على وجهه وحكمته،فهي العـلم بالأحكام، ومعرفة ما فيها من
الأسرار والإحكام، فقد يكون الإنسان عالما ولا يكون حكيما، وأما الحكمة فهي
مستلزمة للعلم، بـل وللعمل،ولهذا فسـرت الحكمة بالعلم النافع، والعمل الصالح.
ولما أعطاه
الله هذه المنة العظيمة، أمـره أن يشكره على ما أعطاه ليبارك له فيه، وليزيده من
فضله،وأخبره أن شكر الشاكـرين يعود نفعه عليهم،وأن من كـفر فلم يشكر الله،عاد وبال
ذلك عليه،والله غـني عنه،حميد فيما يقـدره ويقضيه على من خالف أمره.
((وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ)) ذكر الله سبحانه وتعالى عن لقمان وهو يوصي ولده
بهذا الأسلوب
اللطيف الجميل وهو يعظه والوعظ: هو التذكير المـقرون بالترغيب
أو الترهيب، فأمره بالإخلاص لله سبحانه وتعالى ونهاه عن الشرك وبين له السبب فقال:(( يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ
عَظِيمٌ )، أي هو أعظم الظلم،والشرك هو تسوية غير الله بالله في شيء من خصائص الله
سبحانه وتعالى وقـد صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم تفسير الظلم بالشرك لما
نزلت، (الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ
يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ )الأنعام: ٨٢. شق ذلك على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم
وقالوا:أيـنا
لم يلبس إيمانه بظلم؟فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:انه ليس بذاك،ألا تسـمع إلى قول لقمان لابنه:(( إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ)).و لما
أمـر الله سبحانه وتعالى بالقـيام بحقه وهو توحيده وترك الإشراك به، أمر بحق
الوالدين وقرنه بحقه ثم ذكر السبب الموجب لبر الوالدين في الأم وهو مشقة الحمل
وأنها حملته شدة على شدة، وضعفا على ضعف.(( وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ
وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ))
أي فطامه في عامين.
((أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ
))أي اشكر الله سبحانه وتعالى بعبـادته وأداء حـقه ولوالـديك
بالإحسان إليهما،واعلم أنك راجـع إلى ربك فيسألك هل قمت فيثيبك أم ضيعت فيعاقبك.
وقوله:(( وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى
أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا
فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا)). قال الحافظ ابن كثير: أي
إن حـرصا عليك كل الحرص على أن تتابعهما على دينهما فلا تقـبل منهما ذلك، ولا يمنـعك ذلك
من أن تصاحبـهما في الدنيا معروفا أي
محسنا إليهما.
ويؤيد هذا قول
النبي صلى الله عليه وسلم كما في صحيح الجامع:((لا
طاعة لمخلوق في معصية الخالق))
وقال
أيضا كما في صحيح الجامع:((لا
طاعة لأحد في معصية الله، إنما الطاعة في المعروف)).
((واتبع سبيل
من أناب إلي)) يعني المؤمنين ((ثم إلي مرجعكم فأنبئكم بما كنتم تعملون)) ثـم يكون الرجوع إلى الله سبحانه وتعالى فيخبرهم بما
كانوا يعملون، فلا يخـفى عليه من أعمالهم خافية.
((يا بني إنها
إن تك مثقال حبة من خردل فتكن في صخرة أو في السماوات أو في الأرض يأتي بها الله إن
الله لطيف خبير)) قال الحافظ
ابن كثير:أي إن المظـلمة أو الخطـيئة لو كانت مثـقال حبة من خردل(وهي
أصغر الأشياء وأحقرها) أحضرها الله تعـالى يـوم القيامة حين يضع الموازين القسط وجازى
عليها إن خيرا فخير وإن شرا فشر.
((يا بني أقم
الصلاة))أي أدها في وقتها بأركانها
وواجباتها بخشوع.
((وأمر
بالمعروف وانهي عن المنكر))وذلك
يستلزم العلم بالمعروف ليأمر به،والعلم بالمنكر لينهى عنه وبحسب طاقته وجهده،وبرفق
ولين.
((واصبر على
ما أصابك))علم أن الآمـر بالمعروف والناهي عن
المنكر سيـناله أذى فأمره بالصبر قال صلى الله عليه وسلم:((المـؤمن
الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهـم أفضل من المؤمن الذي لا يخالط الناس ولا يصبر
على أذاهم))02.
((إن ذلك من
عزم الأمور)) أي من الأمور التي يعزم عليها
ويهتم بها ولا يوفق لها إلا أهل العزائم.
((ولا تصعر خـدك
للناس))لا تعرض بوجهك عن الناس إذا كلمتهم
أو كلموك احتقارا منك لهم واستكبارا عليهم ولكن ألن جانبك وابسط وجهك إليهم، قال
صلى الله عليه وسلم:((لا يدخل
الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر))03.وقال أيضا:((تبسمك في
وجه أخيك لك صدقة))04.
((ولا تمش في الأرض مرحا))أي خيلاء،بطرا،لا تفعل ذلك يبغضك الله ولهذا قال:((إن
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
01- رواه
أحمد،وغيره، وهو حديث صحيح كما في صحيح الجامع برقم(7519).
02-رواه
أحمد،وغيره،وهو حديث صحيح كما في صحيح الجامع برقم(6651).
03-رواه
أحمد،وغيره،وهو حديث صحيح كما في صحيح الجامع برقم(7674).
04-رواه
الترمذي(1956)،وصححه الألباني في الصحيحة برقم(572).
الله لا يحب
كل مختال فخور))أي مختال معجب
بنفسه،فخور على غيره،قـال صلى الله
عليه وسلم:(( بينما رجل يتبختر في برديه أعجبته نفسه خسف الله
به الأرض،فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة))01.
((واقصد في
مشيك))أي امش مقتصدا مشيا ليس بالبطيء
المتثبط ولا بالسريع المفرط بل عدلا وسطا بين بين.
((واغضض من
صوتك)) قال الحافظ ابن كثير:أي لا تبالغ
في الكلام،ولا ترفع صوتك فيما لا فائدة فيه ولهذا قال:((إن أنكر
الأصـوات لصوت الحمير)) قـال
مجاهـد وغير واحد:إن أقبح الأصوات لصوت الحمير،أي غاية من يرفع صوته أنه
يشبه بالحمير في علوه ورفعه،ومع هذا هو بغيض إلى الله تعالى،وهذا التشبيه في هـذا
بالحمير يقتضي تحريمه وذمه غاية الذم،لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:((ليس لنا مثل السوء العائد في هبته كالكلب يقيء ثم
يعود في قيئه))02.
وقال أيضا:((إذا سمعتم صياح الديكة فاسألوا الله من فضله،وإذا
سمعتم نهيق الحمير فتعوذوا بالله من الشيطان،فإنها رأت شيطانا))03.
قال العلامة
السعدي:وهذه
الوصايا التي وصى بها لقمان ابنه،تجمع أمهات الحـكم وتستلزم ما لم يذكر منها، وكل
وصية يقرن بها ما يدعو إلى فعلها إن كانت أمرا وإلى تركها إن كانت نهيا.
وهذا يدل على
ما ذكرنا في تفسير الحكمة،أنها العلم بالأحكام وحكمها ومناسباتها.
فأمره بأصل
الدين،وهو التوحيد،ونهاه عن الشرك،وبين له الموجب لتركه،وأمره ببر الوالدين،وبين
له السبب الموجب لبرهما،وأمره بشكره وشكرهما،ثم احترز بأن محل برهما وامتثال
أوامرهما،ما لم يأمرا بمعصية،ومع ذلك قلا يعقهما،بل يحسن إليهما،وان كان لا
يطيعهما إذا جاهداه على الشرك.
وأمـره
بمراقبة الله وخوفه القدوم عليه،وأنه لا يغادر صغيرة ولا كبيرة من الخير
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
01-أخرجه مسلم
في اللباس حديث 50-51.
02-أخرجه
البخاري في الهبة باب30،ومسلم في الهبات حديث05-06.
03-أخرجه
البخاري في بدء الخلق باب15،ومسلم في الذكر حديث82.
أو الشر إلا أتى
بها،ونهاه عن التكبر،وأمـره بالتواضع،ونهاه عن البطر والأشر والمرح،وأمره بالسكون
في الحركات والأصوات،ونهاه عن ضد ذلك.
وأمره بالأمر
بالمعروف والنهي عن المنكر،وإقامة الصلاة،وبالصبر اللذين يسهل بهما كل أمر،كما قال
تعالى،فحقيق بمن أوصى بهذه الوصايا،أن يكون مخصوصا بالحكمة،مشهورا بها،ولهذا من
منة الله عليه وعلى سائر عباده،أن قص عليهم من حكمته،ما يكون لهم به أسوة
حسنة.(انتهى كلامه).
ومن
بعض فوائد هذه الآيات:
01-مشروعية
وصية الوالد لابنه بما ينفعه في الدنيا والآخرة.
02-البدء
بالتوحيد والتحذير من الشرك لأنه محبط للأعمال.
03-مراعاة
الأولويات في الدعوة والبدء بالأهم فالمهم.
04-أهمية
تنشئة الصغار على التوحيد والإخلاص والتحذير من الشرك.
05-استعمال
الأسلوب اللطيف لمخاطبة الصغار.
06-الوصية بالوالدين
برا وإكراما.
07-وجوب شكر
الله وشكر الوالدين.
08-وجوب إتباع
سبيل المؤمنين الموحدين وتحريم إتباع المبتدعين.
09-أهمية ضرب
الأمثال في التعليم.
10-مراقبة
الله تعالى في السر والعلن.
11-مكانة
الصلاة وأهمية إقامتها والمحافظة عليها.
12-وجوب الأمر
بالمعروف والنهي عن المنكرعن علم ولطف حسب استطاعتك.
13-تحريم
التكبر والخيلاء.
14-الدعوة إلى
التوسط والاعتدال.
هذا ما يسر
الله سبحانه وتعالى ذكره باختصار في إيضاح هذه الآيات،أسـأل الله العظيم رب العرش
الكريم أن يرزقنا العـلم النافـع والعمل الصالح، وأن يرزقنا الحكمة انه جواد
كريم،وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
إن الدارس والمتفرس لحقائق القرآن الكريم بما
حوى من آيات وتفسيرات، وبخاصة ما تعلق منها بمنهجية تغيير حال الأمم والمجتمعات،
التي رست على شاطيء الكفر والجاهلية ردحا من الزمن، إلى أن جُرت بعبارة التوحيد
والإيمان إلى بر الأمن والآمان، يعلم يقينا أن هناك جهدا [ ... ]
1- تعريف
القرآن الكريم:هو
كلام الله المنزّل على سيدنا محمد صلى
الله عليه وسلم بلسان عربي
مبين، المعجِز بلفظه ومعناه، المتعبّد
بتلاوته، المنقول إلينا بالتواتر، المحفوظ
في الصدور، والمكتوب في المصاحف.2-منزلته:إن
الله أنزل هذا القرآن الكريم لهداية البشر
إلى الخير و [ ... ]
إقامةُ
الدليل على خطأ من يستدلبقوله
تعالى (أم
لهم شركاء ...) , على كُفْر المُشَرِّعين بلا تفصيلالحمد
لله العليّ القدير،والصلاة والسلام على
البشير النذير،والسراج المنير،وعلى من
تبعه،واهتدى بهديه،وسلم تسليماً كثيراً
إلى يوم الدين،وبعد:نواصل
ضمن هذه السلسلة،رد [ ... ]
إنَّها أعظمُ الآيات وأبهرُ
المعجزات ودليلٌ من دلائل نبوَّته عليه الصلاة والسلام، تلكم هي معجزة القرآن
الكريم، الآية العظمى والمعجزة الخالدة والمستمرَّة على تعاقب السنين. أنزله الله عز وجل على محمَّد خاتم
الأنبياء والمرسلين، عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم [ ... ]
ما هي إلا أيام، ويطلّ علينا هلال رمضان معلنا بذلك قدوم
"شهر القرآن" الذي أنزل في طياته الفرقان، كما قال عزّ من قال( شَهْرُ
رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآَنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ
الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ) البقرة: ١٨٥ حاملا بين ثناياه ل [ ... ]
وَلاَ
تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمْ السَّلاَمَ لَسْتَ مُؤْمِناً... فإنّي أدعو قرّاءنا
الأعزّاء إلى أن يصحبوني إلى أرض من أراضي الجزيرة العربيّة.. أرضِ جهينة.. فنقف
على مشارفها لنشهد حدثا من أحداثها.. حدثٌ عظيم في طيّاته أصل من أصول الإسلام
عظيم، وإن استهان به [ ... ]
الحمد لله والصّلاة والسّلام على رسول الله، أمّا بعد: فالمقصود
بالمفسّر الّذي يُطالَب بهذه الآداب والشّروط هو من يفسّر القرآن ابتداءً، أو
يرجّح قولا على قول من كلام المفسّرين، وثمرة معرفة هذه الشّروط والآداب أن يحسن
الطّالب للتّفسير اختيار الكتب في ذلك.
الحمدُ لله ربِّ
العزّة ربّ العالمين، وليِّ التّمكين للدّين، الملِكِ الحقِّ المُبين، خيرِ
النّاصرين، وأحكمِ الحاكمين، لا إله إلا هو يقصّ الحقَّ وهو خيرُ الفاصلين، مجّدَ
نفسَه في كتابه بامتلاكِه وحدَه لأسباب النّصر والتّمكين، فقال: (وَالَّذِينَ
تَدْعُو [ ... ]
إنّ إدراك الكلام البليغ لا يتأتّى إلا عن طريق
الدراسة و البحث و التأمل، و من أجل ذلك جاء علم البلاغة ليكشف للدارسين عن
العناصر البلاغية المميِّزة للكلام البليغ عن غيره، و ليس في الوجود كلام أبلغ من
كلام ربّ العالمين؛ إذ لا نظم يدانيه على الإطلاق.قال تع [ ... ]