الحمد لله
وحده ،وصلّى الله وسلّم على من لا نبي بعده ،وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا
شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ، أما بعد :
فيقول الله
عز وجل في أول سورة الإسراء :
((سبحان
الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام
إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من أيا تنا إنه هو السميع البصير)) ( الإسراء : 1 )
يخبرنا
الله عز وجل في هذه الآية الكريمة عن حادثة هامة وقعت للنبي صلى الله عليه وسلم ،
وعلامة من علامات نبوته عليه الصلاة والسلام ،
تمثّلت في
الإسراء به من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى المبارك .
هذه
الظاهرة – إن صحت التسمية – كانت تشريفا له عليه الصلاة والسلام وامتحانا لأمته عليه الصلاة والسلام ليميز الله
الخبيث من الطيب، و الكاذب من الصادق ، والمنافق من المؤمن ، فيحصل بذلك الأجر
لمن ثبّته الله على طاعته وطاعة نبيّه والخسران لمن كان غيرذلك .
المعنى
الإجمالي للآية :
يمجِّد
الله تعالى نفسه ويُعظّم شأنه لقدرته على ما لا يقدر عليه أحد سواه ، فلا إله غيره
ولاربّ سواه ،ومن قدرته العظيمة أن أسرى برسوله صلّى الله عليه وسلّم من المسجد
الحرام إلى المسجد الأقصا مسيرة شهر في برهة من الزمن، راكبا البراق- وهو دابّة
بيضاء فوق الحمار ودون البغل يضع حافره عند منتهى طرفه – ليصلّي بالأنبياء في بيت
المقدس ، وذلك تكريما له صلى الله عليه وسلّم بأن جعله الله إمام
الأنبياء في المسجد الأقصا ، ثمّ عُرِج به
إلى السماء سماءً بعد سماء يجدُ في كلّ
سماء مقرَّبيها إلى أن انتهى إلى سدرة المنتهى عندها جنّة المأوى ثمّ عرج به إلى
أن انتهى إلى مستوى سمِع فيه صرير الأقلام لِيُريه من عجائب صنعه في الملكوت
الأعلى ، ليكون ما علمه من طريق الوحي قد
علمه بالرؤية والمشاهدة فيزيد يقينه بالله
عز وجل ويصبر على ما هو عليه .
المعنى التفصيلي للأية :
قوله : (سبحانَ) مفعول مطلق لفعل محذوف أي
أسبح الله سبحانا أي تسبيحا والتسبيح الإبعاد عن السوء ، ومعناه في الشرع :
التنزيه عن كلِّ ما لا يليق بجلال الله وكماله .
قوله : (أسرى) بمعنى سرى من الإسراء وهو
سيرالليل ، وفرَّق بعضهم بين سرى وأسرى بالمبالغة في أسرى لإفادة السرعة في السير
ولذا أوثر على سرى .
قوله : ( بعبدِه ) المراد به محمَّد صلَّى
الله عليه وسلَّم ، والعبد لغة هو الإنسان مطلقا والمملوك ، والعبودية هي الذل
والخضوع والطاعة ، والتعبير بلفظ العبد في هذا المقام العظيم يدل دلالة واضحة على
أن مقام العبودية هو أشرف صفات المخلوقين وأعظمها وأجلها ، إذ لو كان هناك وصف
أعظم منه لعبَّر به في هذا المقام العظيم .
قوله :(
ليلا) للتأكيد لأنَّ الإسراء يفيد معنيين معًا أحدهما الليل والآخر
المشي ،أو للتجريد عن بعض القيود ، أو للتنبيه على أنَّه المقصود بالذكر.
قوله : ( من المسجد الحرام ) يعني مسجد مكة
المكرمة ، سُمِي حراما كبلده لكونه لا يحِلُ انتهاكه بقتال فيه ولا بصيدِ صيدِه
ولا بقطعِ شجره ولا كلئه .
قوله : ( إلى المسجد الأقصا )أي بيت المقدس
وكان يُعرف بهيكل سليمان لأنه هو الذي بناه وشيده ، والأقصا بمعنى الأبعد سُمِّي
بذلك لبعده عن مكة .
قوله : ( باركنا حولَه ) أي جوانبه ببركات
الدين والدنيا لأن تلك الأرض هي مقر الأنبياء ومهبط وحيهم وكذلك هي منمى الزروع
والثمار والمراد بذلك أرض الشام كما عليه جمهور العلماء .
قوله : ( لِنُريَه من أياتنا ) أي لنريه
رؤية عين أياتنا العظيمة التي رآها بعينه ليلة الإسراء من الغرائب والعجائب بما
جاء مبيَنا في الأحاديث الكثيرة، ويدل على ذلك قوله تعالى في سورة النجم (17-18) : (ما زاغ البصر وما طغى ، لقد رأى من أيات ربِّه الكبرى) .
قوله : (إنَّه
هو السميع البصير) أي السميع لأقوال عباده وأفعالهم ، البصير بهم فلا يخفى
عليه شئ في الأرض ولا في السماء .
الفوائد
المستنبطة من الأية :
لقد تضمنت الأية عدة مسائل نُجمِلها فيما يلي :
المسألة الأولى : في وقت الإسراء ومكانه
اختلف أهل العلم في وقت إسرائه عليه الصلاة والسلام ،قال مقاتل : كان قبل
الهجرة بستة عشر شهرا ،ونقل الزمخشري عن أنس والحسين أنه كان قبل البعثة ، وذهب
الأكثرون إلى أنه كان قبل الهجرة بسنة ،قاله الزهري وابن سعد وغيرهما وبه جزم
النووي ،وبالغ ابن حزم فنقل الإجماع فيه .
كما اختلفوا في مكان إسرائه قال الحسن وقتادة : من المسجد نفسه وهو ظاهر
القرآن وقال عامّة المفسِّرين : أُسرِي به من دار أمِّ هانئ فحملوا المسجد الحرامعلى مكة .
المسألة الثانية : في ثبوت الإسراء
دلَّت هذه الآية على ثبوت الإسراء، وهو سير النَّبي صلّى الله عليه وسلّم إلى
بيت المقدس ليلا ، وأما العروج إلى السماوات وإلى ما فوق العرش فهذه الآية لا تدل
عليه ومنهم من يستدل عليه بأول سورة النجم .
قال القرطبي في تفسير هذه الآية الكريمة : ثبت الإسراء في جميع مصنفات
الحديث وروي عن الصحابة في كل أقطار الإسلام فهو متواتربهذا الوجه.
المسألة الثالثة : هل كان الإسراء بجسده أم
بروحه ؟
ذهب بعض أهل العلم إلى أن الإسراء
كان بروحه دون جسده زاعما أنهفي المنام لااليقظة مع القول بأن رؤيا الأنبياء لا
تكون إلا حقا ،
وزعم بعضهم أن الإسراء بالجسد والمعراج بالروح دون الجسد ، ولكن ظاهر
القرآن يدل على أنه كان بروحه وجسده يقظة لامناما، والذي يدل على ذلك أمور منها :
1- قوله:(بعبده ) والعبد عبارة عن مجموع
الروح والجسد .
2- قوله:(سبحان) والتسبيح إنما يكون عند
الأمور العظام ، فلو كان مناما لم يكن له كبير شأن حتى يتعجَّب منه .
3- يؤيِّده قوله تعالى : ( ما زاغ البصر وما طغى )
لأن البصر من آلات الذات لا الروح وقوله هنا :(لنريه من
أياتنا ).
4- يؤيِّده قوله تعالى : (وما جعلنا الرؤيا التي
أريناك إلا فتنة للناس والشجرة الملعونة في القرآن )فإنها رؤيا عين لا رؤيا
منام كما صح عن ابن عباس وغيره .
5- ومن الأدلة الواضحة على ذلك أنها لو كانت رؤيا منام لما كانت فتنة ولا
سببا لتكذيب قريش لأن رؤيا المنام ليست محل إنكار لأن المنام قد يُرى فيه ما لا
يصِّح .
وعلى كل حال فقد تواترت الأحاديث الصحيحة عنه صلى الله عليه وسلم ودلَّت
على أنَّ الإسراء والمعراج كليهما بجسده وروحه ،وعلى ذلك من يُعتدُّ به من أهل
السنة والجماعة فلا عبرة بمن أنكر ذلك من الملحدين .
المسألة الرابعة : هل رأى ربَّه ليلة الإسراء أم
لا ؟
اختلف أهل
العلم في رؤيته صلى الله عليه و سلم ربَّه ليلة الإسراء أم لا ،
قال ابن
عباس وغيره : رآه بعيني رأسه ، وقالت عائشة وغيرها :لم يره ، وهو خلاف مشهور بين
أهل العلم معروف .
والتحقيق
الذي دلَّت عليه نصوص الشرع أنَّه صلى الله عليه وسلم لم يره بعينيه ، وما جاء عن
بعض السلف من أنَّه رآه فالمراد به الرؤية القلبية كما في صحيح مسلم (285) : (أنه رآه بفؤاده مرتين ) لا بعيني رأسه .
ومن أوضح
الأدلَّة على ذلك أن أبا ذر رضي الله عنه سأله
هذه المسألة نفسَها قال: هل رأيت ربك قال :( نور
أنّى أراه ) كما في صحيح مسلم
(293).
الحكمة
من الإسراء :
1- هو أن يرى رسول الله
صلى الله عليه وسلم بعيني رأسه ماكان آمن
به وعلمه من طريق الوحي فأصبح الغيب لدى رسول الله شهادة .
2- جاءت هذه المعجزة بعد
المحن التي مر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم من موت خديجة وعمِّه أبي طالب
لتدلِّل على أن هذا الذي يلاقيه ليس سببه تخلي الله عنه وإنما هي سنّة الله .
3- إنّ الإقتران الزمني
والمكاني بين إسرائه إلى بيت المقدس والعروج به إلى السماء لدلالة باهرة على مدى
ما للمسجد الأقصى من مكانة وقدسية عند الله تعالى.
أسأل الله
عز وجل أن ينفعنا بهذه المعاني العظيمة التي دلَّت عليها هذه الآية
وأن يجعل
القرآن العظيم ربيع قلوبنا وذهاب همومنا وغمومنا
وأن يجعلنا من أهل القرآن الذين هم أهل الله وخاصته ، والحمد لله ربِّ
العالمين .
إن الدارس والمتفرس لحقائق القرآن الكريم بما
حوى من آيات وتفسيرات، وبخاصة ما تعلق منها بمنهجية تغيير حال الأمم والمجتمعات،
التي رست على شاطيء الكفر والجاهلية ردحا من الزمن، إلى أن جُرت بعبارة التوحيد
والإيمان إلى بر الأمن والآمان، يعلم يقينا أن هناك جهدا [ ... ]
1- تعريف
القرآن الكريم:هو
كلام الله المنزّل على سيدنا محمد صلى
الله عليه وسلم بلسان عربي
مبين، المعجِز بلفظه ومعناه، المتعبّد
بتلاوته، المنقول إلينا بالتواتر، المحفوظ
في الصدور، والمكتوب في المصاحف.2-منزلته:إن
الله أنزل هذا القرآن الكريم لهداية البشر
إلى الخير و [ ... ]
إقامةُ
الدليل على خطأ من يستدلبقوله
تعالى (أم
لهم شركاء ...) , على كُفْر المُشَرِّعين بلا تفصيلالحمد
لله العليّ القدير،والصلاة والسلام على
البشير النذير،والسراج المنير،وعلى من
تبعه،واهتدى بهديه،وسلم تسليماً كثيراً
إلى يوم الدين،وبعد:نواصل
ضمن هذه السلسلة،رد [ ... ]
إنَّها أعظمُ الآيات وأبهرُ
المعجزات ودليلٌ من دلائل نبوَّته عليه الصلاة والسلام، تلكم هي معجزة القرآن
الكريم، الآية العظمى والمعجزة الخالدة والمستمرَّة على تعاقب السنين. أنزله الله عز وجل على محمَّد خاتم
الأنبياء والمرسلين، عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم [ ... ]
ما هي إلا أيام، ويطلّ علينا هلال رمضان معلنا بذلك قدوم
"شهر القرآن" الذي أنزل في طياته الفرقان، كما قال عزّ من قال( شَهْرُ
رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآَنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ
الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ) البقرة: ١٨٥ حاملا بين ثناياه ل [ ... ]
وَلاَ
تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمْ السَّلاَمَ لَسْتَ مُؤْمِناً... فإنّي أدعو قرّاءنا
الأعزّاء إلى أن يصحبوني إلى أرض من أراضي الجزيرة العربيّة.. أرضِ جهينة.. فنقف
على مشارفها لنشهد حدثا من أحداثها.. حدثٌ عظيم في طيّاته أصل من أصول الإسلام
عظيم، وإن استهان به [ ... ]
الحمد لله والصّلاة والسّلام على رسول الله، أمّا بعد: فالمقصود
بالمفسّر الّذي يُطالَب بهذه الآداب والشّروط هو من يفسّر القرآن ابتداءً، أو
يرجّح قولا على قول من كلام المفسّرين، وثمرة معرفة هذه الشّروط والآداب أن يحسن
الطّالب للتّفسير اختيار الكتب في ذلك.
الحمدُ لله ربِّ
العزّة ربّ العالمين، وليِّ التّمكين للدّين، الملِكِ الحقِّ المُبين، خيرِ
النّاصرين، وأحكمِ الحاكمين، لا إله إلا هو يقصّ الحقَّ وهو خيرُ الفاصلين، مجّدَ
نفسَه في كتابه بامتلاكِه وحدَه لأسباب النّصر والتّمكين، فقال: (وَالَّذِينَ
تَدْعُو [ ... ]
إنّ إدراك الكلام البليغ لا يتأتّى إلا عن طريق
الدراسة و البحث و التأمل، و من أجل ذلك جاء علم البلاغة ليكشف للدارسين عن
العناصر البلاغية المميِّزة للكلام البليغ عن غيره، و ليس في الوجود كلام أبلغ من
كلام ربّ العالمين؛ إذ لا نظم يدانيه على الإطلاق.قال تع [ ... ]