|
|
كتـب المقال الأستاذ أبو ياسر يوسف مشرية
|
|
الثلاثاء, 21 أكتوبر 2008 16:59 |
|
بسم الله الرحمان الرحيم.. إنّ الحمد لله نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أما بعـد , اعلم أخي القارئ رحمني الله وإياك:
أن الله تعالى هو الخـالق البارئ المصور العليم الحكيم: قد خلق الخلق وخلق هذا الكون العظيم الفسيح ودبره ونظمه بعلمه المحيط وحكمته البالغة وقدرته الشاملة، لحكم جليلة وغايات نبيلة بعيدة كل البعد عن العبث والباطل واللعب. قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاعِبِينَ، مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلا بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الدخان: 38-39]. وقال تعالى: ﴿حم تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ الله الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ، مَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلاّ بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمّىً وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ﴾ [الأحقاف: 1- 3]
.
وخلق الله تعالى الجن والإنس وبين الحكمة العظيمة والغاية الكريمة التي خلقهم من أجلها، قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ، مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ، إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات: 56-58]، وقال تعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ, فَتَعَالَى الله الْمَلِكُ الْحَقُّ لا إِلَهَ إلا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾ [المؤمنون: 115-116] وقال تعالى: ﴿أَيَحْسَبُ الإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً﴾ [القيامة: 36]؛ أي لا يُؤْمر ولا يُنْهى. وقال تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير, الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ﴾ [الملك: 1-2]؛ فأخبر تعالى أنه ما خلقهم إلا للابتلاء والاختبار، ليتبين أيّهم أحسن عملاً بانقياده لمنهج الله واتباعه لرسل الله وأنبيائه.
وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشاً وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 21-22]؛ فأمرهم أن يقوموا بالغاية التي خلقهم من أجلها، وبين لهم أنه قد وفّر لهم كل الأسباب التي تساعدهم على القيام بمهمتهم العظيمة، وحذرهم من الانحراف عن هذه الغاية، والتنكر لهذه النعم الجليلة: ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾.
وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً﴾ [الإسراء: 70]، وما أكرم الله الإنسان هذا الإكرام وجعله في هذه المنزلة الرفيعة إلا لعظم الغاية التي خلق من أجلها، ألا وهى عبادة الله وحده وتعظيمه وتنزيهه عن كل النقائص وعن اتخاذ الشركاء والأنداد تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً.
وكثيراً ما نوّه الله بكرامة الإنسان ومنزلته في هذا الكون العظيم، وأن هذا الكون قد سُخِّر لراحته وسعادته حتى يؤدي وظيفَته ويقوم بغايته التي خلق من أجلها على أتم الوجوه وأكملها. قال تعالى: ﴿قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلانِيَةً مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خِلالٌ، الله الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الأَنْهَارَ, وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ, وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ الله لا تُحْصُوهَا إِنَّ الإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾ [إبراهيم: 31- 34].
الله تعالى أكرم الإنسان بالعقل والفطرة: فإلى جانب هذه النعم العظيمة والإكرام الفائق لهذا الإنسان فقد منحه الله عز وجل نعمة العقل الذي يرفعه إلى مستوى التكاليف الإلهية ويؤهله لإدراكها وفهمها، بل وزوده بالفطرة التي توافق ماجاء به رسل الله -عليهم الصلاة والسلام- من الوحي الكريم ومن الدين الحق الذي شرعه الله تعالى ونهجه لهذا الإنسان على يد الرسل الكرام صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين. قال تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ الله الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ الله ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الروم: 30]، روى البخاري ومسلم عن أبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كَانَ يُحَدِّثُ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلَّا يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ كَمَا تُنْتَجُ الْبَهِيمَةُ بَهِيمَةً جَمْعَاءَ هَلْ تُحِسُّونَ فِيهَا مِنْ جَدْعَاءَ)، ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: ﴿فِطْرَةَ(1) اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ الْآيَةَ. وروى الإمام مسلم في صحيحه عَنْ عِيَاضِ بْنِ حِمَارٍ الْمُجَاشِعِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ ذَاتَ يَوْمٍ فِي خُطْبَتِهِ: (أَلَا إِنَّ رَبِّي أَمَرَنِي أَنْ أُعَلِّمَكُمْ مَا جَهِلْتُمْ مِمَّا عَلَّمَنِي يَوْمِي هَذَا؛ كُلُّ مَالٍ نَحَلْتُهُ عَبْدًا حَلَال(2)ٌ، وَإِنِّي خَلَقْتُ عِبَادِي حُنَفَاءَ كُلَّهُمْ(3)، وَإِنَّهُمْ أَتَتْهُمْ الشَّيَاطِينُ فَاجْتَالَتْهُمْ(4) عَنْ دِينِهِمْ وَحَرَّمَتْ عَلَيْهِمْ مَا أَحْلَلْتُ لَهُمْ وَأَمَرَتْهُمْ أَنْ يُشْرِكُوا بِي مَا لَمْ أُنْزِلْ بِهِ سُلْطَانًا).
الله تعالى أكرم البشر بإرسال الرسل إليهم وإنزال الكتب عليهم: ثم لم يكِلهم الله إلى ما آتاهم من العقل والفطرة بل أرسل إليهم الرسل مبشرين ومنذرين، وأنزل معهم الكتب لتبيّن لهم الحق من الباطل ولتكون مرجعا لهم فيما اختلفوا فيه، حتى لا يبقى للناس أي عذر، ولتقوم عليهم الحجة، فلا يبقى لهم حجة على الله بعد الرسل. وكلّف جميع الأمم بطاعة هؤلاء المصطفين الأخيار والانقياد لهم وأنزل العذاب الشديد بمن كذبهم وعاندهم في الدنيا، والخزي والجحيم السرمدي في الدار الآخرة.
*إذن ما هي رسالة هؤلاء المصطفين الأخيار صلوات الله وسلامه عليهم وما الذي قدموه لأممهم؟
إن الرسالة تشمل كل خير وتبعد عن كل شر، فقد روى مسلم في صحيحه عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سَفَرٍ، فَنَزَلْنَا مَنْزِلًا، فَمِنَّا مَنْ يُصْلِحُ خِبَاءَهُ، وَمِنَّا مَنْ يَنْتَضِلُ(5)، وَمِنَّا مَنْ هُوَ فِي جَشَرِهِ(6)، إِذْ نَادَى مُنَادِي رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: الصَّلَاةَ جَامِعَةً(7)، فَاجْتَمَعْنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: (إِنَّهُ لَمْ يَكُنْ نَبِيٌّ قَبْلِي إِلَّا كَانَ حَقًّا عَلَيْهِ أَنْ يَدُلَّ أُمَّتَهُ عَلَى خَيْرِ مَا يَعْلَمُهُ لَهُمْ وَيُنْذِرَهُمْ شَرَّ مَا يَعْلَمُهُ لَهُمْ، وَإِنَّ أُمَّتَكُمْ هَذِهِ جُعِلَ عَافِيَتُهَا فِي أَوَّلِهَا وَسَيُصِيبُ آخِرَهَا بَلَاءٌ وَأُمُورٌ تُنْكِرُونَهَا وَتَجِيءُ فِتْنَةٌ فَيُرَقِّقُ(8) بَعْضُهَا بَعْضًا وَتَجِيءُ الْفِتْنَةُ فَيَقُولُ الْمُؤْمِنُ هَذِهِ مُهْلِكَتِي ثُمَّ تَنْكَشِفُ وَتَجِيءُ الْفِتْنَةُ فَيَقُولُ الْمُؤْمِنُ هَذِهِ هَذِهِ، فَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُزَحْزَحَ عَنْ النَّارِ وَيُدْخَلَ الْجَنَّةَ فَلْتَأْتِهِ مَنِيَّتُهُ وَهُوَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَأْتِ إِلَى النَّاسِ الَّذِي يُحِبُّ أَنْ يُؤْتَى إِلَيْهِ، وَمَنْ بَايَعَ إِمَامًا فَأَعْطَاهُ صَفْقَةَ يَدِهِ وَثَمَرَةَ قَلْبِهِ فَلْيُطِعْهُ إِنْ اسْتَطَاعَ فَإِنْ جَاءَ آخَرُ يُنَازِعُهُ فَاضْرِبُوا عُنُقَ الْآخَرِ).
فهذه إذن رسالة كل الأنبياء تدل على كل خير وتحذر من كل شر، لكن أين المنطلق؟ وبماذا تبدأ وماهو أهم شيء تركزعليه؟
إن دعوة الرسل لها أسس وقواعد ودعائم هي:
(أ) التوحـيد، (ب) النبـوات، (ج) المعـاد(9).
هذه الأسس الثلاثة هي ملتقى دعوات الأنبياء والرسل أجمعين، وقد اهتم بها القرآن غاية الاهتمام وبينها غايـة البيان، فأورد لها الأدلة العقلية والحسية في جميع سوره وفي غالب قصصه وأمثاله، وأهم هذه الأسس الثلاثة وأصل الأصول هو توحيد الله تبارك وتعالى ووحدانيته الذي تضمنتها غالب السور بأنواعه الثلاثة المشهورة.
فإن القرآن؛ إما خبر عن الله وأسمائه وصفاته، وهو التوحيد العلمي الخبري. أو دعوة إلى عبادتـه وحده لا شريك له وهو التوحيد الإرادي الطلبي. وإما أمر ونهي وإلزام بطاعته، فذلك من حقوق التوحيد، ومكملاته. وإما خبر عن إكرامه لأهل التوحيد في الدنيا والآخرة، فهو جزاء التوحيد. وإما خبر عن أهل الشـرك، وما فعل بهم في الدنيا من النكال وما يحل بهم في العقبى من العذاب، فهو جزاء من خرج عن التوحيد إلى الشرك والكفر(10).
وبعد أن علمنا أصل دعوة الرسل والأنبياء، كان لزاما علينا أن نجلي هذا الأصل لإخواننا، فقد جهله بعض مثقفينا، ناهيك عن عامة المسلمين.
فتوحيد الألوهية أو توحيد العبودية أو إخلاص الدين لله تعالى هو أصل الدين وقطبه الذي تدور عليه رحاه، وهو التوحيد الذي بعث الله به الرسل و أنزل به الكتب، وإليه دعا الأنبياء -عليهم الصلاة و السلام-، وعليه جاهدوا وبه أمروا وفيه رغّبوا، قال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة: 5]، وقال لنبيّه صلى الله عليه وسلم: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَاي وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام:162- 163].
فهذا التوحيد هو بمثابة الأساس من البنيان، قال العارف بالله ابن القيم رحمه الله: "من أراد علوّ بنيانه، فعليه بتوثيق أساسه وإحكامه وشدة الاعتناء به، فإن علو البنيان على قدر توثيق الأساس وإحكامه، فالأعمال والدرجات بنيان وأساسها الإيمان.. فالعارف همّته تصحيح الأساس وإحكامه والجاهل يرفع في البناء من غير أساس فلا يلبث أن يسقط، قال الله تعالى: ﴿أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنْ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [التوبة:109]"(11)، ومعلوم أن الأية نزلت في شأن المنافقين الذين أسسوا وبنوا مسجدا ضرارا للصلاة فيه، لكن لما كان خاليا من الإخلاص لم ينفعهم بل مآلهم جهنم والعياذ بالله تعالى، ثم يقول- رحمه الله-: "ولهذا الأساس أمران: 1- صحة المعرفة بالله وأمره وأسمائه وصفاته، 2- تجريد الانقياد له ولرسوله دون ما سواه، فهذا أوثق أساس أسّس العبد عليه بنيانه، وبحسبه يعتلي البناء ما شاء، فأحكم الأساس واحفظ القوة ودُم على الحِمية...".
ثم يواصل شيخ الإسلام - رحمه الله- مؤصلا هذا المعنى فيقول: "السنة شجرة والشهور فروعها والأيام أغصانها والساعات أوراقها والأنفاس ثمرها، فمن كانت أنفاسه في طاعة فثمرة شجرته طيبة، ومن كانت في معصية فثمرته حنظل، وإنما يكون الجُداد [قطف الثمار] يوم المعاد، فعند الجُداد يتبين حلوّ الثمار من مُرّها، والإخلاص والتوحيد شجرة في القلب ثمرها في الدنيا طيب الحياة، والنعيم المقيم في الآخرة، وكما أن ثمار الجنة لا مقطوعة ولا ممنوعة، فثمرة التوحيد والإخلاص في الدنيا كذلك، وكما أن الشرك والكذب والرياء شجرة في القلب، ثمرها في الدنيا الخوف والغمّ وضيق الصدر وظلمة القلب، وثمرها في الآخرة الزقوم والعذاب المقيم، وقد ذكر الله تعالى هاتين الشجرتين في سورة ابراهيم"(12)، ويقصد رحمه الله تعالى قوله سبحانه: ﴿أَلَمْ تَرَى كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ. وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ. يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ [إبراهيم:24-27].
ولمّا كان شأن توحيد الله تبارك وتعالى بمثابة الأساس من البنيان والجذور من الشجرة، كان أول أمر يصادفك أيها القارئ الكريم في المصحف الشريف هو قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: 21]، ولعلّه نفس السّر في وجود أول فعل في المصحف وهو قوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:5]، وهو نفس المغزى من وجود أول نهي، وهو قوله تعالى: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 22]، وهو نهي عن الشرك الذي يضاد التوحيد، فتأمل...
وهذه فائدة جليلة لأن الله تعالى لم يأمرنا بتوحيده وعبادته فحسب، بل ونهانا أيضا عمّا ينقض ذلك ألا وهو عبادة غيره، قال الشيخ مبارك الميلي رحمه الله تعالى: "فلم يكتف في الشهادتين بالتوحيد المجرّد حتى صرّح بنفي التعدد وحصر التشريع في الشخص المرسل بالتبليغ"(13)، لذا فالشرك الذي ينافي التوحيد هو أول المحرمات التي نهانا الله عنها، كما في قوله تعالى: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [الأنعام:151]، وأول وصية قدمها لقمان لإبنه أن قال: ﴿يَابُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان:13].
لهذا كان الدعاة إلى التوحيد أفضل الدعاة وأشرفهم، كيف لا والدعوة إلى التوحيد هي دعوة إلى أعلى درجات الإيمان، فقد روى مسلم في صحيحه عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (الْإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ أَوْ بِضْعٌ وَسِتُّونَ شُعْبَةً، فَأَفْضَلُهَا: قَوْلُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّه،ُ وَأَدْنَاهَا: إِمَاطَةُ الْأَذَى عَنْ الطَّرِيق،ِ وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنْ الْإِيمَانِ)، قال الإمام النوّوي رحمه الله: "وقد نبّه صلىّ الله عليه وسلم على أنّ أفضلها التوحيد المتعين على كل أحد، والذي لا يصح شيء من الشعب الاّ بعد صحّته"(14).
لذا فإن جميع الدعوات القائمة على دعوى الإصلاح، والتي لا تركز على التوحيد، وابتعدت عن منهج الأنبياء فإنه يصيبها من الانحراف بحسب بُعدها عن هذا الأصل العظيم، كالذين أفنوا أعمارهم في مقارعة أنظمة الحكم بُغية إصلاح الناس، وهدفهم الانقضاض على السلطة، فلا يهتمون بفساد عقيدتهم وعقيدة مريديهم وأتباعهم، فتأمل.
ناهيك عمن يدعو إلى عقيدة فاسدة ويشنع على مخالفيه، فإنه لا مجال للتعرض له ههنا، لأن أساسه فاسد، والله المستعان.
وعلى هذا كان النبيّ -صلىّ الله عليه وسلّم- يؤكد على الدعاة والمصلحين والعلماء الاهتمام بهذا الأمر والبدء به، فقد روى البخاري عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ حِينَ بَعَثَهُ إِلَى الْيَمَنِ: (إِنَّكَ سَتَأْتِي قَوْمًا أَهْلَ كِتَابٍ، فَإِذَا جِئْتَهُمْ فَادْعُهُمْ إِلَى أَنْ يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّه [وفي رواية: فَلْيَكُنْ أَوَّلَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ عِبَادَةُ اللَّهِ]، [وفي رواية: فَلْيَكُنْ أَوَّلَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَى أَنْ يُوَحِّدُوا اللَّهَ تَعَالَى]، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لَكَ بِذَلِكَ فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ فَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لَكَ بِذَلِكَ فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ فَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ فَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لَكَ بِذَلِكَ فَإِيَّاكَ وَكَرَائِمَ أَمْوَالِهِمْ، وَاتَّقِ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ فَإِنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ حِجَابٌ). فالله أكبر لعظمة هذا الحديث!! الذي لم يترك لمنتصب الدعوة خيارا، قال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب:36]، قال ابن القيّم- رحمه الله تعالى- بعد ذكره لهذا الحديث: "التوحيد مفتاح دعوة الرّسل"(15)، فهو دعوتهم جميعا عليهم الصلاة والسلام... يتبع
ــــــــــــــــــــ
(1) "الفطر؛ الابتداء والاختراع، والفطرة: الحالة، كالجلسةِ والمعنى: أنه يولد على نوع من الجبلة، والطبع المتهيئ لقبول الدين فلوترك عليها لاستمر على لزومها، وإنما يعدل بالآفة من آفات البشر والتقليد". النهاية لابن الأثير (3/457). وقال الحافظ ابن حجر- رحمه الله- في الفتح (3/248): "اختلف الناس في المراد بالفطرة، وأشهر الأقوال، أن المراد بالفطرة الإِسلام، قال ابن عبد البر المالكي: هو المعروف عند عامة السلف، وأجمع أهل العلم بالتأويل على أن المراد بقوله تعالى: ﴿فطرة الله التي فطر الناس عليها﴾ الإسلام".
(2) أي أعطيته، والمراد: كل مال أعطيته عبداً من عبادي فهو له حلال، والمقصود إنكار ما حرموا على أنفسهم من السائبة والوصلة والبحيرة والحامي وغير ذلك، وأنها لم تصر حراماَ بتحريمهم، وكل مال ملكه العبد فهو له حلال حتى يتعلق به حق.
(3) أي مسلمين.
(4) أي استخفوهم فذهبوا بهم وأزالوهم عما كانوا عليه، وجالوا معهم في الباطل.
(5) من المناضلة، وهي: المرامات بالنشاب.
(6) الجشر: هي الدواب التي ترعى، وتبيت مكانها.
(7) الصلاة جامعة، هي: بنصب الصلاة على الإغراء، ونصب جامعة على الحال.
(8) أن يصير بعضها رقيقاً، أي حفيفاً لعظم ما بعده.
(9) ألف الإمام الشوكاني في بيان هذه الأسس الثلاثة كتابا سماه: "إرشاد الثقات إلى اتفاق الشرائع على التوحيد، والمعاد والنبوات".
(10) شرح الطحاوية ص 88، مدارج السالكين لابن القيم (3/450).
(11) الفوائد ص 204.
(12) الفوائد ص 214.
(13) رسالة الشرك ومظاهره ص20.
(14) شرح النووي لصحيح مسلم (1/280).
(15) مدارج السالكين لابن القيم (3/443)
 |
|
الْأَسَالِيبُ الْبَلَاغِيَّةُ فِي حَدِيثِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ -تَأَمُّلٌ وَتَحْلِيلٌ- 15/06/2010 | بِقَلَمِ: زَكَرِيَّاءَ تُونَانِي
 الْـحَمْدُ للهِ الرَّحِيمِ الرَّحْمَنِ، عَلَّمَ الْقُرْآنَ، خَلَقَ الْإِنْسَانَ، عَلَّمَهُ الْبَـيَانَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى مَنْ بُعِثَ بِجَوَامِعِ الْكَلِمِ وَفَوَاتِـحِهِ وَخَوَاتِـمِهِ إِلَى الْإِنْسِ وَالْـجَانِّ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ الذِينَ [ ... ]
|
السحر .. خطره، وأسبابه، وكيفية مكافحته 15/06/2010 | محمد حاج عيسى الجزائري

الحمد لله والصلاة
والسلام على رسول الله أما بعد:
فإن المظاهر السلبية والآفات الاجتماعية المنتشرة
في
العالم الإسلامي كثيرة ومتنوعة، بعضها أشر من بعض وأخطر، ومن أخطرها ما يعد من
مظاهر الشرك بالله ومن عوامل تأخر الأمم وسقوط الحضارات وتدمير المجتمع من داخله،
و [ ... ]
|
الكرامات وضوابطها عند أهل السنة 15/06/2010 | عبد البر يحي

إن
من أصول أهل السنة والجماعة الإيمان بكرامات الأولياء وإثباتَها والتصديقَ
بها واعتقاد أنها حق، وذلك باتفاق أئمة أهلالإسلام والسنة والجماعة، وقد دل عليها القرآن في غير موضع، والأحاديث الصحيحة، والآثار المتواترة عن الصحابة والتابعين وغيرهم.
ولذا أودع أهل السنة [ ... ]
|
في ظلال اسم الله تعالى « الحفيظ » 25/02/2010 | بقلم: محمّد حاج عيسى

الحمد
لله ربّ العالمين، والصّلاة والسّلام
على سيّد المرسلين، والعاقبة للمتّقين،
أمّا بعد:فإنّمن أسماء الله تعالى الحسنى الثّابتة في
القرآن الكريم "الحفيظ"،يدلّ عليه قوله تعالى:
(إِنَّ
رَبِّي عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ )هود:٥٧:،
وقوله سبحانه:
(وَالَّذِينَ [ ... ]
|
كلمة التوحيد طريق إلى توحيد الكلمة 15/11/2009 | أبي سعيد بلعيد الجزائري
 إنّ توحيدَ اللهِ، وإفرادَه بالعبادة هو الذي
من أجله خلق اللهُ الجِنَّ والإنسَ، كما قال تعالى: ( وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56) مَا أُرِيدُ
مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (57) إِنَّ اللَّهَ هُوَ
الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّ [ ... ]
|
أثر الخلافات العقائدية على وحدة الأمة الإسلامية 14/11/2009 | بقلم: ربيع ميسوم

لقد تزاحمت أدلة
الكتاب والسنة وعضدها
في ذلك فهم صالح سلف الأمة، حول قضية من أهم القضايا المقاصدية التي من أجلها خلق
الله البشرية، واسما إياها بـ "لزوم الجماعة" أو "الوحدة"
بمفهوم العصرنة والحداثة ، هذه القضية التي آزر الرب سبحانه وتعالى تح [ ... ]
|
الفــــداء والكفّــــارة... في معتقد النصارى؟؟؟ 11/06/2009 | بقلم: يزيد حمزاوي

ترتبط عقيدة
الكفارة بعقيدة الخطيئة ارتباط اليد بالمعصم، فالمقصود بالكفارة هو رفع الخطيئة
الأصليّة وتكفيرها عن كاهل البشريّة لإنقاذها من الموت الأبديّ، الذي أصابها جرّاء
أكل آدم من الشّجرة.. ويُعتبر علماء الأديان قاطبة أنّ الكفّارة أُسّ الدّين
النّصرانيّ، ومركز [ ... ]
|
الخطيئة الأصلية 25/03/2009 | يزيد حمزاوي

يمكننا اعتبار مفهوم الخطيئة المفهوم الرّئيس والأساس
في الإيمان النّصرانيّ كلّه، إذ إنّ هذا المفهوم يرتبط بجميع العقائد الأخرى:
كالكفارة والصّلب والتّثليث والقيامة … وبدون الخطيئة لن يعود للنّصرانيّة مسوغ وجود أصلاً،
ويُجمِع الباحثون الموضوعيّون قديم [ ... ]
|
المسألة الحنيفية العظيمة 25/03/2009 | خالد بن علي

|
النصرانية وإلغاء العقل ..الحلقة الأولى 19/01/2009 | يزيد حمزاوي

|
الأنس بالله تعالى 12/01/2009 | عبد الكريم ضيافي

يقول النبي صلى الله عليه وسلم : " بدأ
الإسلام غريبا وسيعود كما بدأ غريبا فطوبى للغرباء" رواه مسلم برقم 145. وقد سئل عليه الصلاة والسلام عن صفة هؤلاء
الغرباء فقال:" الذين يصلحون إذا فسد الناس
" السلسة الصحيحة برقم 1273.
وهم أهل الزمان الذي قال ع [ ... ]
|
الحج رحلة التوحيد والإيمان 14/11/2008 | عبد الكريم ضيافي

إنّ الحجّ فريضة محكمة
ودعامة من دعائم هذا الدّين، والمتأمّل في زمانه ومكان أداءه ومناسكه يرى أنّه
إنّما شرع لتحقيق مقصد عظيم وغاية نبيلة لأجلها أرسلت الرّسل وأنزلت الكتب وخلق
الله الخلق ألا وهو توحيده تعالى وإفراده بالعبادة؛ وقد اشتملت هذه الشعيرة
العظ [ ... ]
| | مقالات أخرى |
|
|