المسألة الحنيفية العظيمة
كتـب المقال خالد بن علي   
الأربعاء, 25 مارس 2009 11:26

إنّ الله عزَّ وجلّ أرسل رسله، وأنزل كتبه وخلق السّماوات والأرض ليُعرف ويُعبد ويُوحَّد، ويكون الدّين كلّه لله والطّاعة كلّها له، والدّعوة له كما قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ  ﴾(الذاريات:56)

، وقال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ ﴾الآية.(الحجر:85)، وقال تعالى:﴿ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا ﴾(الطلاق:12)، وقال تعالى: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا(1) لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلَائِدَ ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾.(المائدة:97)، فأخبر سبحانه أنّ القصد بالخلق والأمر أن يعرف بأسمائه وصفاته ويعبد وحده لا يشرك به، وأن يقوم النّاس بالقسط، وهو العدل الذي قامت به السّماوات والأرض كما قال تعالى:﴿ لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ الآية.(الحديد:25)، فأخبر سبحانه أنه أرسل رسله وأنزل كتبه ليقوم النّاس بالقسط، وهو العدل ومن أعظم القسط التّوحيد، وهو رأس العدل وقوامه"(2)، وضدّه الشّرك وهو أعظم الظّلم ورأس الإثم وقوامه. وقد قام الأنبياء والمرسلون-عليهم السلام- بهذا القصد غاية القيام وأحسنه ودعوا إلى ذلك أممهم وجعلوه كلمة باقيةً في عقبهم لعلهم يرجعون. ومن أعظمهم قياماً بذلك إمام الحنفاء والمرسلين إبراهيم عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة وأزكى التّسليم، قال تعالى:﴿ وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ (26) إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ (27) وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ  يَرْجِعُونَ ﴾ (الزخرف:26-28)، وقال تعالى: ﴿ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (120) شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ (النحل:120-121). وقال تعالى:﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴾(آل عمران:67). وقال عزَّ من قائل:﴿(130) إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (131) وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ  ﴾ (البقرة:130-132). فالحنيفيّة ملّة إبراهيم وهي أن تعبد الله وحده مخلصا له الدّين، وبذلك أمر الله جميع النّاس وخلقهم لها، كما قال تعالى:﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ  ﴾(الذاريات:56)، وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ ومعنى يعبدون: يوحّدون وأعظم ما أمر الله به التّوحيد وهو إفراد الله بالعبادة، وأعظم ما نهى عنه الشّرك وهو دعوة غيره معه، والدليل قوله تعالى واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا(3).

والتّوحيد أوّل دعوة الرّسل قال تعالى:﴿ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ ﴾ (المؤمنون: 23)، وقال هود عليه السّلام لقومه :﴿ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ الآية (هود:50)، وكذلك قال صالح وشعيب-عليهما السّلام- لقومهما:﴿ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ الآية (هود: 61و84)، وفي الجملة كلّ أمّة بعث الله إليها رسولاً يأمرهم بعبادة الله وحده وينهاهم عن عبادة الطّاغوت قال سبحانه: ﴿ وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَن اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ الآية(النحل: 36)، وقال تقدّست أسماؤه:﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ ﴾ (الأنبياء: 25). فالتّوحيد مفتاح دعوة الرّسل، وهو الحكمة في خلق الجنّ والإنس، وهو الحكمة في إرسال الرّسل، وهو دين الله الذي لا يرضى من أحدٍ دينًا سواه، قال سبحانه: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآَخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ ﴾ (آل عمران:85)، والتّوحيد أوّل ما يدخل به العبد في الإسلام، وآخر ما يخرج به من الدّنيا كما قال صلى الله عليه وسلّم: (من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنّة)(4) فالتّوحيد أوّل واجب وآخره وأوّل الأمر وآخره. وفي الصّحيحين(5) عن عبد الله  بن عبّاس رضي الله عنهما قال: لمّا بعث النبي صلى الله عليه وسلم معاذا رضي الله عنه إلى نحو أهل اليمن قال له: "إنّك تقدم على قوم من أهل الكتاب فليكن أوَّل ما تدعوهم إلى أن يوحدوا الله تعالى فإذا عرفوا ذلك فأخبرهم أن الله فرض عليهم خمس صلوات في يومهم وليلتهم.." الحديث.

ففيه أنّه يُبدأ بالتّوحيد قبل كل شيء حتّى الصّلاة وفيه أنّ أوّل واجب يجب على المكلّفين هو شهادة أن لا إله إلا الله، لا النّظر ولا القصد إليه، ولا الشّك كما يقوله طوائف من أرباب الكلام المذموم(6)، وكما أن التّوحيد أعظم ما أمر الله به، فهو كذلك أعظم نعمة أنعمها الله على عباده، قال تعالى: ﴿ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً﴾الآية.(لقمان :20). قال مجاهد: "لا إله إلا الله".(7) وقال ابنُ عيينة: "ما أنعم الله على العباد نعمة أفضل من أن عرّفهم لا إله إلا الله. قال: وأن لا إله إلا الله في الآخرة كالماء في الدّنيا"(7)

*حقيقة التّوحيد: "والتّوحيد الّذي دعت إليه الرّسل ونزلت به الكتب نوعان:

الأول: توحيد في المعرفة والإثبات.

الثاني: توحيد في المطلب والقصد.

فالأوّل هو حقيقة ذات الرّبّ تعالى وأسمائه وصفاته، وأفعاله، وعلوّه فوق سماواته على عرشه، وتكلّمه بكتبه، وتكليمه لمن شاء من عباده، وإثبات عموم قضائه وقدره وحكمه، وقد أفصح القرآن عن هذا النّّوع جدّ  الإفصاح كما في أوّل سورة "الحديد"، وسورة "طه"، وآخر سورة "الحشر"، وأوّل سورة "تنزيل السّجدة"، وأوّل سورة "آل عمران"، وسورة "الإخلاص" بكاملها وغير ذلك. والنوع الثاني: مثل ما تضمّنته سورة "قل يا أيها الكافرون" وقوله: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ الآية(آل عمران: 64) وأول سورة "تنزيل الكتاب" وآخرها، وأول سورة "يونس" ووسطها وآخرها وأوّل سورة "الأعراف" وآخرها، وجملة سورة " الأنعام"، وغالب سور القرآن، بل كلّ سورة في القرآن  فهي متضمّنة  لنوعي التّوحيد. بل نقول قولا كليًّا: إنّ كلّ آية في القرآن فهي متضمّنة للتّوحيد، شاهدة به، داعية إليه، فإنّ القرآن إمّا خبر عن الله، أو أسمائه وصفاته، وأفعاله، فهو التّوحيد العِلْمِي الخَبَرِي، وإمَّا دعوة إلى عبادته وحده لا شريك له، وخلع كلّ ما يعبد من دونه، فهو التّوحيد الإرادي الطّلبي، وإمّا أمر ونهي وإلزام بطاعته في نهيه وأمره، فهي حقوق التّوحيد ومكمّلاته، وإمّا خبر عن كرامة الله لأهل تّوحيده وطاعته، وما فعل بهم في الدّنيا وما يكرمهم به في الآخرة، فهو جزاء توحيده، وإمَّا خبر عن أهل الشّرك وما فعل الله بهم في الدّنيا من النّكال، وما يحل بهم في العقبى من العذاب، فهو خبر عمّن خرج عن حكم التّوحيد. فالقرآن كلّه في التّوحيد وحقوقه، وجزائه، وفي شأن الشّرك وأهله وجزائهم"(8)

*التوحيد أعدل العدل والشرك بالله أظلم الظلم:  ولمّا كان التّوحيد أعدل العدل كان أشدُّ شيءٍ منافاة له أظلم الظّلم وهو الشّرك بالله، قال تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ الآية (لقمان:13).وهكذا كلّ "ما كان أشدّ موافقة لهذا المقصود فهو أوجب الواجبات وأفرض الطّاعات، وكلّ ما كان أشدّ منافاة لهذا المقصود فهو أكبر الكبائر، وتفاوتها في درجاتها بحسب منافاتها له، فتأمل هذا الأصل حقّ التّأمل، واعتبر به تفاصيله تعرف به حكمة أحكم الحاكمين، وأعلم العالمين فيما فرضه على عباده، وحرّمه عليهم، وتفاوتت مراتب الطّاعات والمعاصي (9) ولمّا كان الشّرك بالله منافيا بالذّات لهذا المقصود كان أكبر الكبائر على الإطلاق، وحرّم الله الجنّة على كل مشرك، وأباح دمه وماله، وأهله لأهل التّوحيد، وأن يتّخذوهم عبيدا لهم، كما تركوا القيام بعبوديّته، وأبى الله سبحانه أن يقبل من مشرك عملاً، أو يقبل فيه شفاعة، أو يستجيب له في الآخرة دعوة، أو يقبل له فيها عثرة، فإنّ المشرك أجهل الجاهلين، حيث جعل له من خلقه ندّا، وذلك غاية الجهل، كما أنه غاية الظّلم منه، وإن كان المشرك  لم يظلم ربّه وإنّما ظلم نفسه"(10)

ولمّا كان الإخلاص موافقا بالذات لهذا المقصود العظيم، كان أوجب الواجبات وأفرض الطّاعات وأجلّ القربات، وكان مأمورا به في حقّ الخاصّة والعامّة في كلّ القربات، ولا يكون تركه محمودا في حال أحد وإن ارتقى مقامه، والأعمال الظّاهرة والباطنة لا تنفع بدونه.

*حقيقة الإخلاص: والإخلاص هو إفراد الحقّ سبحانه بالقصد في الطّاعة، وترك ملاحظة المخلوقين، فالمخلص أعماله مستوية في السّر والعلانيّة كما قال القشيري –رحمه الله تعالى: "أقلّ الصّدق استواء السّر والعلانية" وقال حذيفة المرعشي -رحمه الله- :" الإخلاص استواء أفعال العبد في الظّاهر والباطن"، وعن سهل التّستري -رحمه الله تعالى- قال: "نظر الأكياس في تفسير الإخلاص، فلم يجدوا غير هذا: أن تكون حركته وسكونه في سرّه وعلانيّته لله تعالى وحده، لا يمازجه شيء، لا نفس، ولا هوى، ولا دنيا"(11).

"فالإخلاص: هو أن يخلص العبد لله في أقواله وأفعاله وإرادته ونيّته، وهذه هي الحنيفيّة الّتي أمر الله بها عباده كلّهم، ولا يقبل من أحد غيرها، وهي حقيقة الإسلام﴿ وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآَخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾( آل عمران:85) وهي ملّة إبراهيم الّتي من رغب عنها فهو من أسفه السّفهاء"(12)

والحنيف في الّلغة: المسلم، وتحنّف الرّجل عمل عمل الحنيفيّة، ويقال اختتن، ويقال اعتزل الأصنام وتعبّد(13).

وقال العلامة ابن القيّم رحمه الله: " الحنيف المقبل على الله، ويلزم هذا المعنى ميله عمّا سواه، فالميل لازم معنى الحنيف لا أنه موضوعه لغة"(14)

وروى أحمد عن أبي موسى الأشعري-رضي الله عنه- قال قلت لعمر -رضي الله عنه-: لي كاتب نصرانيّ. قال: مَالَكَ قاتلك الله! ألا اتّخذت حنيفا". وهذا موافق للمعنى اللّغوي.

قال شيخ الإسلام ابن تيميّة: "وأمّا الإخلاص لله فهو حقيقة الإسلام؛ إذ الإسلام هو الاستسلام لله لا لغيره كما قال تعالى:﴿ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ﴾ (الزمر:29)، فمن لم يستسلم لله فقد استكبر، ومن استسلم لله ولغيره فقد أشرك، وكل من الكبر والشرك ضد الإسلام، والإسلام ضدّ الشرك والكبر... ولهذا كان رأس الإسلام شهادة أن لا إله إلا الله، وهي متضمّنة عبادة الله وحده وترك عبادة ما سواه، وهو الإسلام العام الذي لا يقبل الله من الأوّلين والآخرين ديناً سواه كما قال تعالى: ﴿ وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآَخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾(آل عمران:85)، وهذا الذي ذكرناه ممّا يبيّن أن أصل الدّين في الحقيقة هو الأمور الباطنة من العلوم والأعمال، وأنّ الأعمال الظّاهرة لا تنفع بدونها... وهذه الأعمال الباطنة كمحبة الله، والإخلاص له، والتوكل عليه، والرضا عنه، ونحو ذلك، كلّها مأمور بها في حقّ الخاصّة والعامّة لا يكون تركها  محمودا في حال أحد، وإن ارتقى مقامه... فهذه كلها خير محض وهي حسنة محبوبة في حقّ كل أحد من النبيّين والصّدّيقين والشّهداء والصّالحين"(15)

وفي كتاب عمر بن الخطاب رضي الله عنه لأبي موسى الأشعري-في القضاء- قال: "من حسنت نيّتُه وخلُصت فيما بينه وبين الله كفاه اللهُ ما بينه وبين النّاس... ومن تز يّن للنّاس بما يعلم الله منه غير ذلك  شانه الله، فما ظنّك بثواب غير الله-ويُرْوى عند الله- في عاجل دنيا وآجل آخرة "(16)

وكان من دعائه رضي الله عنه: "اللّهم اجعل عملي كله صالحا واجعله لوجهك خالصا ولا تجعل لأحد من خلقك منه شيئا"، وقال علي-رضي الله عنه-:"أوصيكم بتقوى الله؛ فإنّ أفضل  ما توسّل به العبد الإيمان، والجهاد في سبيله، وكلمة الإخلاص فإنها الفطرة"(17)

وفي كتاب "الزهد" لعبد الله ابن المبارك عن الحسن البصري قال: "إن كان الرّجل لقد جمع القرآن وما يشعر به جاره، وإن كان الرّجل لقد فقه الفقه الكثير وما يُشعر به، وإن كان الرّجل ليصلي الصّلاة الطّويلة في بيته وعنده الزّور وما يشعرون به، ولقد أدركنا أقواما ما كان على ظهر الأرض من عمل يقدرون على أن يعملوه في السّر فيكون علانية أبدا"

هكذا كان النّاس... أعاد الله على هذه الأمّة مجدها، ورزقنا الاقتداء بسلفنا الصّالح رحمهم الله ورضي عنهم. اللّهم اجعلنا من عبادك الحنفاء الشّهداء الصّادقين الصّالحين. وصلى الله وسلّم على نبيّنا محمّد خاتم الأنبياء وسيّد الحنفاء، وعلى آله وصحابته المتّقين الموحّدين والحمد لله ربّ العالمين.

خ.ب

 

______________________________________

 

1 - قال الشوكاني: "معنى كونه قياماً أنه مدار لمعاشهم، ودينهم: أي يقومون فيه بما يصلح دينهم و دنياهم، يأمن فيه خائفهم، وينصر فيه ضعيفهم، ويربح فيه تاجرهم و يتعبّد فيه متعبّدهم"."فتح القدير": (2/90).

2 - مقتبس من"الداء والدواء" لابن القيّم (ص196 ط/ دار ابن الجوزي).

3 - انظر رسالة" ثلاثة الأصول":لابن عبد الوهاب (1-2).

4 – أخرجه الحاكم (1299) و غيره بسند حسن عن معاذ (راجع أحكام الجنائز ص 48، ط/ المعارف).

5 - البخاري:(7372) -واللفظ له-، مسلم:(29).

6 – راجع" مدارج السالكين" (3/525- ط/ الرشد)، وانظر "مختصر صحيح مسلم" للمنذري - كتاب الإيمان. باب أوّل الإيمان قول لا إله إلا الله.(ص07ط/ المعارف )، و "شرح اعتقاد أهل السنة" للالكائي (1/306-319، نفيس للغاية/ ط المكتبة الإسلاميّة) و "كتاب التوحيد" لابن عبد الوهاب –باب الدعوة إلى شهادة أن لا إله إلا الله-، و"معارج القبول" لحافظ حكمي (ص -95-118.ط/دار ابن الجوزي).

7 - أخرجه ابن جرير في "التفسير" (21/78) و صححه الشيخ سليم الهلالي في كتاب "عدة الصابرين"(ص213).

8 -"مدارج السالكين" (3/532)، بتصرف يسير.

9 - لذلك شدّد المصطفى صلى الله عليه و سلّم في حماية حمى التوحيد، وسدّ ذرائع الشّرك ووسائله قال الامام الشاطبي"إنّ من عادة الشّرع أنه إذا نهى عن شيء وشدّد فيه منع ما حواليه وما دار به، ورتع حول حماه...وكذلك جاء في الشّرع أصل سد الذّرائع، وهو منع الجائز لأنّه يجرّ إلى غير الجائز، وبحسب عظم المفسدة في الممنوع يكون اتساع المنع في الذريعة و شدّته.. و الحوم حول حماه يتسع جدّا" الإعتصام (1/38/ ط دار ابن عفان).

10 – "الداء و الدواء" (197)،بتصرف يسير.

11 -انظر هذه الأقوال وغيرها في "التبيان" للنووي (ص 70-71 /ط دار اللآثار القاهريّة).

12 - راجع "الداء و الدواء" (ص208).

13 - راجع" مختار الصحاح" (ص73).

14 – راجع" مفتاح دار السعادة" (1/213 ط المكتبة العصرية).

15 - عن "التّحفة العراقية في أعمال القلوب"(13-16/ط دار الفتح-الشارقة).

16 – أخرجه وكيع في "أخبار القضاة"(1/70-73و 283-284) و الدارقطني (4/207)،كما في "من وصايا السلف" للشيخ سليم الهلالي (ص 57) وانظر تمام تخريجه فيه ؛ فإنه نفيس.

17 - "البداية" (7/517، ط/ دار ابن كثير).

 
المشاهدات: 448
التعليقات (0)Add Comment

أضف تعليق
تصغير | تكبير

busy
 
الْأَسَالِيبُ الْبَلَاغِيَّةُ فِي حَدِيثِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ -تَأَمُّلٌ وَتَحْلِيلٌ-
15/06/2010 | بِقَلَمِ: زَكَرِيَّاءَ تُونَانِي
article thumbnail

الْـحَمْدُ للهِ الرَّحِيمِ الرَّحْمَنِ، عَلَّمَ الْقُرْآنَ، خَلَقَ الْإِنْسَانَ، عَلَّمَهُ الْبَـيَانَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى مَنْ بُعِثَ بِجَوَامِعِ الْكَلِمِ وَفَوَاتِـحِهِ وَخَوَاتِـمِهِ إِلَى الْإِنْسِ وَالْـجَانِّ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ الذِينَ  [ ... ]


السحر .. خطره، وأسبابه، وكيفية مكافحته
15/06/2010 | محمد حاج عيسى الجزائري
article thumbnail

 الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله أما بعد: فإن المظاهر السلبية والآفات الاجتماعية المنتشرة في العالم الإسلامي كثيرة ومتنوعة، بعضها أشر من بعض وأخطر، ومن أخطرها ما يعد من مظاهر الشرك بالله ومن عوامل تأخر الأمم وسقوط الحضارات وتدمير المجتمع من داخله، و [ ... ]


الكرامات وضوابطها عند أهل السنة
15/06/2010 | عبد البر يحي
article thumbnail

إن من أصول أهل السنة والجماعة الإيمان بكرامات الأولياء وإثباتَها والتصديقَ بها واعتقاد أنها حق، وذلك باتفاق أئمة أهلالإسلام والسنة والجماعة، وقد دل عليها القرآن في غير موضع، والأحاديث الصحيحة، والآثار المتواترة عن الصحابة والتابعين وغيرهم. ولذا أودع أهل السنة [ ... ]


في ظلال اسم الله تعالى « الحفيظ »
25/02/2010 | بقلم: محمّد حاج عيسى
article thumbnail

الحمد لله ربّ العالمين، والصّلاة والسّلام على سيّد المرسلين، والعاقبة للمتّقين، أمّا بعد:فإنّمن أسماء الله تعالى الحسنى الثّابتة في القرآن الكريم "الحفيظ"،يدلّ عليه قوله تعالى: (إِنَّ رَبِّي عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ )هود:٥٧:، وقوله سبحانه: (وَالَّذِينَ [ ... ]


كلمة التوحيد طريق إلى توحيد الكلمة
15/11/2009 | أبي سعيد بلعيد الجزائري
article thumbnail

إنّ  توحيدَ اللهِ، وإفرادَه بالعبادة هو الذي من أجله خلق اللهُ الجِنَّ والإنسَ، كما قال تعالى: ( وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56) مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (57) إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّ [ ... ]


أثر الخلافات العقائدية على وحدة الأمة الإسلامية
14/11/2009 | بقلم: ربيع ميسوم
article thumbnail

 لقد تزاحمت أدلة الكتاب والسنة وعضدها في ذلك فهم صالح سلف الأمة، حول قضية من أهم القضايا المقاصدية التي من أجلها خلق الله البشرية، واسما إياها بـ "لزوم الجماعة" أو "الوحدة" بمفهوم العصرنة والحداثة ، هذه القضية التي آزر الرب سبحانه وتعالى تح [ ... ]


الفــــداء والكفّــــارة... في معتقد النصارى؟؟؟
11/06/2009 | بقلم: يزيد حمزاوي
article thumbnail

ترتبط عقيدة الكفارة بعقيدة الخطيئة ارتباط اليد بالمعصم، فالمقصود بالكفارة هو رفع الخطيئة الأصليّة وتكفيرها عن كاهل البشريّة لإنقاذها من الموت الأبديّ، الذي أصابها جرّاء أكل آدم من الشّجرة.. ويُعتبر علماء الأديان قاطبة أنّ الكفّارة أُسّ الدّين النّصرانيّ، ومركز  [ ... ]


الخطيئة الأصلية
25/03/2009 | يزيد حمزاوي
article thumbnail

يمكننا اعتبار مفهوم الخطيئة المفهوم الرّئيس والأساس في الإيمان النّصرانيّ كلّه، إذ إنّ هذا المفهوم يرتبط بجميع العقائد الأخرى: كالكفارة والصّلب والتّثليث والقيامة … وبدون الخطيئة لن يعود للنّصرانيّة مسوغ وجود أصلاً، ويُجمِع الباحثون الموضوعيّون قديم [ ... ]


المسألة الحنيفية العظيمة
25/03/2009 | خالد بن علي
article thumbnail


النصرانية وإلغاء العقل ..الحلقة الأولى
19/01/2009 | يزيد حمزاوي
article thumbnail


الأنس بالله تعالى
12/01/2009 | عبد الكريم ضيافي
article thumbnail

يقول النبي صلى الله عليه وسلم :  " بدأ الإسلام غريبا وسيعود كما بدأ غريبا فطوبى للغرباء"  رواه مسلم برقم  145. وقد سئل عليه الصلاة والسلام عن صفة هؤلاء الغرباء فقال:" الذين يصلحون إذا فسد الناس " السلسة الصحيحة برقم 1273. وهم أهل الزمان الذي قال ع [ ... ]


الحج رحلة التوحيد والإيمان
14/11/2008 | عبد الكريم ضيافي
article thumbnail

إنّ الحجّ فريضة محكمة ودعامة من دعائم هذا الدّين، والمتأمّل في زمانه ومكان أداءه ومناسكه يرى أنّه إنّما شرع لتحقيق مقصد عظيم وغاية نبيلة لأجلها أرسلت الرّسل وأنزلت الكتب وخلق الله الخلق ألا وهو توحيده تعالى وإفراده بالعبادة؛ وقد اشتملت هذه الشعيرة العظ [ ... ]


مقالات أخرى
باقي على شهر رمضان


العدد 16 

 

رسالة البدر

images/resized/images/stories/demo/18-1_78_59.jpgimages/resized/images/stories/demo/18-2_78_63.jpgimages/resized/images/stories/demo/18-3_78_48.jpgimages/resized/images/stories/demo/18-4_78_59.jpgimages/resized/images/stories/demo/18-5_78_55.jpgimages/resized/images/stories/demo/18-6_78_53.jpgimages/resized/images/stories/demo/18-7_78_48.jpgimages/resized/images/stories/demo/18-8_78_55.jpg
يوجد حاليا 155 زوار المتواجدون الآن
اليوم188
أمس255
هذا الأسبوع1147
هذا الشهر9781
جميع الزوار131080

اشترك في القائمة البريدية ليصلك جديد المجلة
Partly Cloudy Sunny Sunny
30C 33C 33C
الجمعة السبت الأحد

المحاور الرئيسية