إنّ الحجّ فريضة محكمة
ودعامة من دعائم هذا الدّين، والمتأمّل في زمانه ومكان أداءه ومناسكه يرى أنّه
إنّما شرع لتحقيق مقصد عظيم وغاية نبيلة لأجلها أرسلت الرّسل وأنزلت الكتب وخلق
الله الخلق ألا وهو توحيده تعالى وإفراده بالعبادة؛ وقد اشتملت هذه الشعيرة
العظيمة على كلّ أصناف العبادات الماليّة والبدنية تتجلّى في كلّ واحدة منها حكمة
الله في ترسيخ وحدانيته في قلوب عباده المؤمنين. أمّا مكانه فهو أوّل بيت وضع لعبادة الله وحده،
قال تعالى( إِنَّ
أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى
لِلْعَالَمِينَ) آل عمران: ٩٦ .قال عليّ رضي الله عنه:" كانت البيوت قبله، ولكنه كان أوّل
بيت وضع لعبادة الله " لقد اختاره الله من سائر الأمكنة موطنا يعبد فيه، قال
عزّ وجلّ (وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ
الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ) القصص: ٦٨ ،وجعله موطن الأمن والاستقرار وجابية الخير من ألوان الثمار
قال
تعالى (وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ
أَرْضِنَا أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آَمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ
كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ) القصص: ٥٧ ، فجمع هذا البلد الطيّب ببركة العناية الإلهية بين خيري الدّنيا
والآخرة استجابة لدعوة الخليل عليه السّلام حين قالوَ (إِذْ
قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آَمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ
الثَّمَرَاتِ مَنْ آَمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ قَالَ وَمَنْ
كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ
الْمَصِيرُ) البقرة: ١٢٦ ، بعد أن
هداه الله لمكانه المشرّف وأمره برفع صرحه فقال( وَإِذْ بَوَّأْنَا
لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ
بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ ) الحج: ٢٦. قال ابن كثير-رحمه
الله-:" أي أرشده إليه وسلّمه له وأذن له في بنائه " اه، فقال إبراهيم
عليه السلام لابنه البارّ إسماعيل –عليه السّلام-:"يا إسماعيل إنّ الله أمرني
بأمر، قال: فاصنع ما أمرك ربّك ، قال: وتعينني قال:وأعينك، قال: فإنّ الله أمرني
أن أبني هاهنا بيتا ، وأشار إلى أكمة مرتفعة على ما حولها ،قال :فعند ذلك رفعا
القواعد من البيت." ثمّ أمره الرّبّ جلّ وعلا بأن ينادي في النّاس بحجّ هذا
البيت فقال عزّوجلّ( وَأَذِّنْ
فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ
كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ) الحج: ٢٧،قال ابن عباس_رضي الله عنهما_:قام إبراهيم على الحجر فقال:"أيّها
النّاس كتب عليكم الحجّ" فأسمع من في أصلاب الرّجال وأرحام النّساء ،فأجابه
من آمن ومن كان سبق في علم الله أنه يحجّ إلى يوم القيامة:"لبّيك اللهم
لبّيك".
وتتجلّى هنا تلك
الحكمة الربانيّة في اختيار الله لإبراهيم عليه السّلام لبناء هذا الصّرح المعظّم
ليكون منارة تهدي لإفراده تعالى بالعبوديّة ، فيكون هذا البناء بيد إمام الموحّدين
وقدوتهم لتكون أشعّ في النّور وأهدى للطّريق،فقد كان عليه السّلام أسوة حسنة في
تجريد التّوحيد والدّعوة إليه والبراءة من الشّرك وأهله، فنعم الباني ونعم المبنى
ونعم الدّعاء لذلك المبنى ، سلسلة ربطت
بإحكام لتكون حلقاتها شعارا لهذه الحنيفية السمحة على مرّ العصور إلى قيام
السّاعة. وإن العجب كل العجب من معظّمي تلك المشاهد والقبور حين يطوفون بها يبغون
بذلك الزّلفى عند الله وقد جهلوا أو تجاهلوا لأي معنى شرع الطّواف، ومن أين يأتي
تعظيم الشيء إن لم يعظّمه الله فهو الّذي يرفع ويخفض سبحانه.
ثم ّتأمل كيف يجعل
الله ذلك الوادي الّذي لا زرع فيه ولا ماء ، حارّ الجوّ والهواء ، محلاّ لبناء
بيته الشّريف، على أنّه سبحانه كان قادرا
أن يجعله أودية وأنهارا ذا جنّات وبساتين، وما ذلك إلاّ لنعلم أنّ هذه الأحجار
والأستار ليست مرادة لذاتها ، لكنّها سنّة الله في ابتلاء المحبّين ليعلم من يتجرد
توحيده ويتحقّق، ممّن يرائي بذلك وينافق.
قال الشّاعر: وليس محبّا من يعدّ شقاءه
عذابا إذا ما كان يرضى حبيبه
فهي إذن تلبية نداء
إمام الموحّدين لتوحيد ربّ العالمين، ليس بسياحة وتنزّه قال ابن القيّم_رحمه
الله_:"ولو لم يكن له شوق إلاّ إضافته إيّاه إلى نفسه بقوله ( وَإِذْ بَوَّأْنَا
لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ
بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ ) الحج: ٢٦. لكفى بهذه الإضافة فضلا وشرفا، وهذه الإضافة هي التي أقبلت بقلوب العالمين
إليه ، وسلبت قلوبهم حبّا له وشوقا إلى رؤيته فهو المثابة للمحبّين يثوبون إليه ،ولا
يقضون منه وطرا أبدا كلّما أرادوا له زيارة ،ازدادوا له حبّا وإليه اشتياقا ، فلا
الوصال يشفيهم ولا البعاد يسلّيهم."
أمّا زمن الحجّ فمن
خير الأزمان قال تعالى : ( الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ
فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ
خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى
وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ ) البقرة: ١٩٧ ،قال ابن عمر رضي الله عنه:"أشهر الحجّ شوّال وذو القعدة وعشر
من ذي الحجة ". ثمّ اختار الله من هذه من هذه الأشهر أيّاما هي من خير
الأيّام على الإطلاق، روى البخاري وغيره
عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"ما من أيام العمل الصّالح فيها أحبّ إلى الله من هذه
الأيام، يعني العشر، قالوا ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: ولا الجهاد في سبيل الله
إلاّ رجل خرج بنفسه وماله فلم يرجع من ذلك بشيء.". ولشرفها أقسم الله
بها فقال:( وَالْفَجْرِ (1) وَلَيَالٍ عَشْرٍ) الفجر: ١ - ٢ ، وهي في قول جمهور
المفسّرين من السلف والخلف عشر ذي الحجّة الأول، ثمّ كان من هذه العشر يوم يدلّ
اسمه على عظمته وخيريته قال تعالى (وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ
وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ
مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ فَإِنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ
تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَبَشِّرِ
الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ) التوبة: ٣ ، فسماه يوم الحجّ الأكبر وهو يوم النحر، لما رواه أبو داود عن ابن عمر رضي
الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقف يوم النحر بين الجمرات في الحجّة
التي حجّ فقال:"أيّ يوم هذا؟ قالوا: يوم النحر
قال: هذا يوم الحجّ الأكبر" ، والمقصود أنّ الله اختار لهذا النّسك
العظيم أفضل الأزمان بعد أن اختار له أفضل الأماكن لتتمّ المنّة على هذه الأمّة
فيحدوها كرم ربها في الاستزادة من طلب فضله ، (
الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ
مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) المائدة: ٩٧ . أمّا مناسكه فكلها توحيد وذكر لله عزّ وجلّ لا يخلو مكان واحد منها من
ذكره وتعظيمه ودعائه ، فإذا أهلّ المسلم بالنّسك من الميقات رفع صوته
قائلا:"لبيّك اللهم عمرة لا رياء فيها ولا سمعة." لمن أراد التّمتّع،
أو" لبّيك حجّا وعمرة" لمن أراد القران ثمّ يبدأ بترديد شعار التّوحيد
والإخلاص رافعا صوته:"لبّيك اللهم لبيك إنّ الحمد والنعمة لك والملك لا شريك
لك". يصدقه في ذلك ما حوله من الحجر و المدر والشّجر مرددين معه ما يقول كيف
لا وهو سبحانه ربهم جميعا لكن لا يفقه تسبيحهنّ إلاّ الله، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "ما من ملب يلبي إلا لبى ما عن يمينه وشماله من حجر
أو شجر أو مدر حتى تنقطع الأرض من ها هنا وها هنا" ، تاركا اللغو
والرفث والفسوق والجدال والشعارات الحزبية والعصبية التي ملأت صحيفته سائر العام، عساها تبّيض يوم يشد
رحله راجعا وقد أحسن الجوار وألان الكلام وأطعم الطعام وبذل ألوانا من البر
والإحسان من إيثار للآخرين على النفس والبشاشة في وجوههم والرفق في مواطن الزحام
بهم ، فإن فاته هذا فالخير العميم حرم ،فهي أيام معدودات يتزود منها لما بقي من
حياته ويوم ( الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ
فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ
وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ
الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ ) البقرة: ١٩٧ . قال محمد رشيد رضا –رحمه
الله-"وأما السر فيها –على أنها من محرمات الإحرام –فهو أن يتمثل الحاج أنه
بزيارته لبيت الله مقبل على الله تعالى قاصد له، فيتجرد عن عاداته ونعيمه، وينسلخ
من مفاخره ومميزاته على غيره، بحيث يساوي الغني الفقير، ويماثل الصعلوك الأمير،
فيكون الناس من جميع الطبقات في زي كزي الأموات،وفي ذلك من تصفية النفس وتهذيبها
وإشعارها بحقيقة العبودية لله والأخوة للناس مالا يقدر قدره، وإن كان لا يخفى أمره
وفي حديث أبي هريرة في الصحيحين:"من حج ولم يرفث
ولم يفسق خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه " وذلك أن الإقبال على الله
تعالى بتلك الهيئة والتقلب في تلك المناسك على الوجه المشروع يمحو من النفوس آثار
الذنوب وظلمتها ويدخلها في حياة جديدة لها فيها ما كسبت وعليها ما اكتسبت
". فإذا رأى الكعبة تذكّر أنّ لله
في السماء بيتا يطوف به عباد لله لا يعصونه في أمره ولا يفترون عن ذكره، فيتشرّف
هو بمشاكلتهم بالطّواف بهذا البيت المعظّم في الأرض إذ مشابهة الأخيار في المظهر
تورّث المماثلة في المخبر، فيدعو الله حين يستلم الطّواف أن يجعله من الطائعين له
مااستطاع، وأن يعينه على ذكره وشكره وحسن عبادته، فإذا صلى خلف المقام تذكّر
إبراهيم عليه السّلام وكيف ليّن الله تلك الصخرة الصّماء حتّى تحفظ أثر قدميه
الشريفتين اللّتين ثبتتا عليها في بناء البيت امتثالا لأمره عزّ وجلّ لتكون آية
بينة يثبّت الله بها قلوب الموحّدين من بعده، قال ( إِنَّ
أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى
لِلْعَالَمِينَ (96) فِيهِ آَيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ
دَخَلَهُ كَانَ آَمِنًا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ
إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ) آل عمران: ٩٦ – ٩٧، قال مجاهد
–رحمه الله-: "أثر قدميه في المقام
آية بيّنة " فإذا توجّه تلقاء الصّفا والمروة تذكّر أنّ أصل مشروعية السّعي
بينهما "مأخوذ من طواف هاجر و تردادها بين الصفا والمروة في طلب الماء لولدها
لمّا نفذ ماؤهما وزادهما حين تركهما إبراهيم عليه السّلام هنالك، وليس عندهما أحد
من النّاس، فلمّا خافت على ولدها الضّيعة هنالك ونفذ ما عندهما، قامت تطلب الغوث
من الله عزّ وجلّ، فلم تزل تتردّد في هذه البقعة المشرفة بين الصّفا والمروة،
متذلّلة خائفة وجلة مضطرّة فقيرة إلى الله عزّ وجلّّ، حتّى كشف الله كربتها، وآنس
غربتها، وفرّج شدّتها، وأنبع لها زمزم التي ماؤها (طعام طعم وشفاء سقم )، فالسّاعي
بينهما ينبغي له أن يستحضر فقره وذلّه وحاجته إلى الله في هداية قلبه وصلاح حاله
وغفران ذنبه، وأن يلتجئ إلى الله عز وجل لتفريج ما هو به من النقائص والعيوب ،وأن يهديه إلى الصراط
المستقيم ، وأن يثبته عليه إلى مماته وأن يحوله من حاله الذي هو عليها من الذنوب
والمعاصي ، إلى حال الكمال والغفران والسداد والاستقامة كما فعل بهاجر عليها
السلام ." ثم كان من فضل الله على ذاك
الرضيع أن أخرج من نسله أمة كبيرة العدد،
كان من ذريتها سيد الأولين
والآخرين صلى الله عليه وسلم ، سنة الله في إثابة المتوكلين ولن تجد لسنة الله
تبديلا . فإذا وقف مع الملايين بعرفة في ذلك المشهد المهيب علم أنّه واحد من خلق
لا يعلم عدد أوّلهم وآخرهم إلاّ الله سبحانه، وسيحشرهم إليه جميعا في صعيد واحد
يوم القيامة حفاة عراة غرلا لا يملك بعضهم
لبعض شيئا، فيحمل نفسه على أن لا يخاف ولا يرجو إلاّ الله الّذي هو آخذ بجميع هذه
النّواصي، ويتذكّر أن هذا اليوم يوم إتمام النّعمة، ويوم المباهاة ويوم العتق من
النّيران ويوم القرب من الباري سبحانه ويوم يخنس فيه الشّيطان ويصغر. قال عليه
السّلام:"ما من يوم أكثر أن يعتق الله فيه عبدا
من النّار من يوم عرفة وإنّه ليدنو ثمّ يباهي بهم الملائكة فيقول ماذا أراد
هؤلاء." ويقول من خير ما قال
النّبيّون:"لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له الملك وله الحمد وهو على كل شيء
قدير". علّه يحشر معهم بصدق الإقتداء بهم
،فإذا أتى المشعر الحرام حمد الله وشكره أن هداه سنن الذين من قبله من
الموحدين وسأله أن يعيدها عليه نعمة دائمة فهو علي كل شيء قدير، قال النّووي-رحمه الله- :" ورّوينا عن الحسن بن
عمران بن عيينة أنّ سفيان بن عيينة رضي الله عنه، قال له بالمزدلفة في آخر حجّة
حجّها: قد وافيت هذا الموضع سبعين مرّة أقول في كلّ مرّة اللهم لا تجعله آخر العهد
من هذا المكان وقد استحييت من الله عزّ وجلّ من كثرة ما أسأله، فرجع فتوفي في
السنة الداخلة ." . وإذا ذبح هديه أخلص لله في ذلك وسأله القبول
وحاله كما قال تعالى( وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آَتَوْا
وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ (60) أُولَئِكَ
يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ ) المؤمنون: ٦٠ - ٦١ ، قال ابن تيمية-رحمه الله-:" وأجلّ
العبادات البدنية الصلاة وأجلّ العبادات المالية النحر، وما يجتمع للعبد في الصلاة
لا يجتمع له في غيرها،كما عرفه أرباب القلوب الحيّة، وما يجتمع له في النحر إذا
قارنه الإيمان والإخلاص من قوّة اليقين وحسن الظّن أمر عجيب،وكان النبي صلى الله
عليه وسلم كثير الصلاة كثير النحر." . فإذا أتمّ باقي المناسك وقفل راجعا من
تلك السفرة العظيمة والرحلة الكريمة جعل أخر أمره الطواف بالبيت ليبقى معظما في
قلبه عند فراقه كما كان عند مجيئه إليه لأن النفوس تزكو وتطهر بتعظيم شعائر ربها قال تعالى (
ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ ) الحج: ٣٢ ، وعادت إلى وطنها صالحة مصلحة قد غرفت من معين التوحيد الصافي ما
فتح لها أبواب الخير على مصراعيه. نسأل الله الإخلاص في القول والعمل آمين وصلّى الله وسلم على نبينا محمد وآله
وصحبه وسلم.
الحمد لله والصلاة
والسلام على رسول الله أما بعد: فإن المظاهر السلبية والآفات الاجتماعية المنتشرة
في العالم الإسلامي كثيرة ومتنوعة، بعضها أشر من بعض وأخطر، ومن أخطرها ما يعد من
مظاهر الشرك بالله ومن عوامل تأخر الأمم وسقوط الحضارات وتدمير المجتمع من داخله،
و [ ... ]
إن
من أصول أهل السنة والجماعة الإيمان بكرامات الأولياء وإثباتَها والتصديقَ بها واعتقاد أنها حق، وذلك باتفاق أئمة أهلالإسلام والسنة والجماعة، وقد دل عليها القرآن في غير موضع، والأحاديث الصحيحة، والآثار المتواترة عن الصحابة والتابعين وغيرهم.
ولذا أودع أهل السنة [ ... ]
الحمد
لله ربّ العالمين، والصّلاة والسّلام
على سيّد المرسلين، والعاقبة للمتّقين،
أمّا بعد:فإنّمن أسماء الله تعالى الحسنى الثّابتة في
القرآن الكريم "الحفيظ"،يدلّ عليه قوله تعالى:
(إِنَّ
رَبِّي عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ )هود:٥٧:،
وقوله سبحانه:
(وَالَّذِينَ [ ... ]
لقد تزاحمت أدلة
الكتاب والسنة وعضدها
في ذلك فهم صالح سلف الأمة، حول قضية من أهم القضايا المقاصدية التي من أجلها خلق
الله البشرية، واسما إياها بـ "لزوم الجماعة" أو "الوحدة"
بمفهوم العصرنة والحداثة ، هذه القضية التي آزر الرب سبحانه وتعالى تح [ ... ]
ترتبط عقيدة
الكفارة بعقيدة الخطيئة ارتباط اليد بالمعصم، فالمقصود بالكفارة هو رفع الخطيئة
الأصليّة وتكفيرها عن كاهل البشريّة لإنقاذها من الموت الأبديّ، الذي أصابها جرّاء
أكل آدم من الشّجرة.. ويُعتبر علماء الأديان قاطبة أنّ الكفّارة أُسّ الدّين
النّصرانيّ، ومركز [ ... ]
يمكننا اعتبار مفهوم الخطيئة المفهوم الرّئيس والأساس
في الإيمان النّصرانيّ كلّه، إذ إنّ هذا المفهوم يرتبط بجميع العقائد الأخرى:
كالكفارة والصّلب والتّثليث والقيامة … وبدون الخطيئة لن يعود للنّصرانيّة مسوغ وجود أصلاً،
ويُجمِع الباحثون الموضوعيّون قديم [ ... ]
يقول النبي صلى الله عليه وسلم : " بدأ
الإسلام غريبا وسيعود كما بدأ غريبا فطوبى للغرباء" رواه مسلم برقم 145. وقد سئل عليه الصلاة والسلام عن صفة هؤلاء
الغرباء فقال:" الذين يصلحون إذا فسد الناس
" السلسة الصحيحة برقم 1273. وهم أهل الزمان الذي قال ع [ ... ]
إنّ الحجّ فريضة محكمة
ودعامة من دعائم هذا الدّين، والمتأمّل في زمانه ومكان أداءه ومناسكه يرى أنّه
إنّما شرع لتحقيق مقصد عظيم وغاية نبيلة لأجلها أرسلت الرّسل وأنزلت الكتب وخلق
الله الخلق ألا وهو توحيده تعالى وإفراده بالعبادة؛ وقد اشتملت هذه الشعيرة
العظ [ ... ]