قـد نمتحـن بفقـد الأحبـة
كتـب المقال عباس موسى أحمد   
الجمعة, 25 يوليو 2008 17:54

الأحبةعن أسامة بن زيد قال: كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم فأرسلت إليه إحدى بناته تدعوه وتخبره أن صبيا لها أو إبنا لها في الموت فقال الرسول ارجع إليها  فأخبرها إن لله ما أخذ وله ما أعطى وكل شيء عنده بأجل مسمى، فمرها فلتصبر ولتحسب فعاد الرسول فقال إنها قد أقسمت لتأتينها، قال فقام النبي صلى الله عليه وسلم وقام معه سعد بن عبادة ومعاذ بن جبل وانطلقت معهم فرفع إليه الصبي ونفسه تقعقع كأنها شنة ففاضت عيناه فقال له سعد ما هذا يا رسول الله؟ قال هذه رحمة جعلها الله في قلوب عباده وإنما يرحم الله من عباده الرحماء .رواه البخاري ومسلم في كتاب الجنائز

 

والحديث من قواعد الإسلام المشتملة على جملة من أصول الدين وفروعه وآدابه، ففائدته عظيمة لمن تمعن فيه، أقف على بعض من معاينة وأهمها  و منها:

الوقفـة الأولـى:

ونجدها في موقف رسول الله صلى الله عليه وسلم حينما أرسلت إليه ابنته تدعوه لصبي لها في الموت فلا يذهب إليها في أول الأمر وإنما يقول للرسول "ارجع إليها فأخبرها أن الله ما أخذ ولهما أعطى وكل شيء عنده بأجل مسمى فمرها فلتصبر ولتحسب" بل إنها راجعتهمرتين كما جاء في رواية عبد الرحمن بن عوف ولم يقم إلا في الثالثة، هل يعني نقص مكانتها عنده؟ كلا فلا أحسب أن أحدا يشك في محبته صلى الله عليه وسلم ورحمتهلبناته وأولاد بناته، يعلم ذلك جيدا من سبر سبرته صلى الله عليه وسلم وتمعن فيهالكنه كمال التسليم له، فإن الذي أخذه أو أراد أن يأخذه هو الله سبحانه الذي أعطاه في نبغي ألا يجزع العبد كما لا يجزع من استردت منه وديعته أو رعاية، وما وهبه الله للعبد لا يخرج من ملكه سبحانه يفعل فيه ما يشاء.

الوقفـة الثانيـة:

وهي في قوله صلى الله عليه وسلم "فلتصبر ولتحتسب" ولم يقل فلتصبر فقط وإنما قرنهبالاحتساب وهو طلب الثواب من الله بالصبر على قضائه وقدره سبحانه والصبر معالاحتساب هو الطريق إلى درجة الرضى عن الله تعالى عنهم ورضوا عنه وهي درجة عاليةلا ينالها كل عبد فليس المؤمن الذي يؤدي فرائض العبادات صورة ويتجنب المحظوراتوإنما كمال الإيمان حينما لا يساكن قلبه أو يختلجه اعتراض على قدر الله، قالالحسن البصري: كانوا يتساوون في وقت النعم فإذا نزل البلاء تباينوا، وﭧ ﭨ ﭽ ﭘ   ﭙ  ﭚ ﭛ  ﭜ  ﭝ  ﭞ  ﭟ ﭠ  ﭡ   ﭢ ﭣ  ﭤ  ﭥ  ﭼ آل عمران: ١٤٢

 قال ابن القيم: "وذلك أن النفس لا تزكو وتصلح حتى تمحص بالبلاء، كالذهب الذي لا يخلصجيده من رديئه حتى يفتني في كير الامتحان". والرضى بقضاء الله يفرغ القلب للهفيثمر الشكر له وهو من أعلى مقامات الإيمان بخلاف السخط والغضب من القضاء فإنهيفرغ قلب العبد من الله ويثمر كفر النعم وذلك يشتد حرص الشيطان في مثل هذه المواقفحتى يوقع العبد في السخط من القضاء ويفوت عليه ثواب الرضى والثبات لله عند القضاء،ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم عند موت ابنه إبراهيم"يحزن القلب وتدمع العين ولا نقول إلا ما يرضى ربنا"، لاسيما وقدرتب الله الأجر العظيم على الصبر والاحتساب، جاء في صحيح البخاري عن رسول الله صلىالله عليه وسلم: "يقول الله عز وجل : ما لعبديالمؤمن جزاء إذا قبضت صفيه من أهل الدنيا ثم احتسبه إلا الجنة" وفيحديث آخر "لا يزال البلاء بالمؤمن أو المؤمنة فيجسده وماله وولده  حتى يلقى اله وما عليهخطيئة".

الوقفـة الثالثـة:

وقفة مقارنة بين ما يفعله السلف الصالح عند وما يفعلهبعض الناس اليوم من إظهار معالم الحزن والمصاب كإقامة المآتم والاجتماع فيهاوتقديم الذبائح وتوقف أهل الميت عن ممارسة حياتهم العادية لأيام معدودة ونحو ذلكمما يخالف مقصد الشريعة من فضل الرضى بقضاء الله، لاشك أن مصيبة الموت على أهلالبيت ليست أمرا هينا وهم يفقدون من بين أيديهم أحدا منهم لكنه أمرا اختاره اللهوأراد فما علينا إلا الرضى لما رضيه الله وإن مكان المفقود عزيزا علينا فلعلنانمتحن به، فلقد أظهرت لنا حياة السلف صورا مضيئة من مواقفهم إزاء المصائب وتعاملهممعها فقد اشتكى ابنا لعبد الله بن عمر واشتد وجده عليه حتى خشي الناس على عبد  الله إن حدث لإبنه شيء وشاء الله فمات الغلامفخرج في جنازته وما رجل أبدى سرورا إلا ابن عمر فقيل له ما هذا قد خشينا عليك ياابن عمر، قال إنما تلك كانت رحمة به فلما وقع أمر الله رضينا به، وقال ثابت البناني: مات عبد الله بن مطرف فخرج مطرف على قومه في ثياب حسنة وقد أدهن، فغضبوا وقالوا: يموت عبد الله ثم تخرج في ثياب.

من هذه مدهنا، قال أفأستكين لها وقد وعدني ربي ثلاثخصال، كل خصلة منها أحب إلي من الدنيا وما فيها، ﭧﭨ ﭽ ﭮ  ﭯ       ﭰ ﭱ  ﭲ  ﭳ     ﭴ  ﭵ   ﭶ       ﭷ     ﭸ ﭹ  ﭺ  ﭻ ﭼ  ﭽ  ﭾﭿ ﮀ   ﮁ  ﮂ ﮃ  ﭼ البقرة: ١٥٦ - ١٥٧  وضحك أحدالسلف يوم مات ابنه فقيل له: تضحك في مثل هذه الحال؟ قال نعم أردت أن أرغم الشيطانوقضى الله القضاء فأردت أن أرضى بقضائه فهو أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين، هكذاكان السلف يتعاملون مع المصائب عرفوا الله حق المعرفة فسلموا له أمورهم في الرخاءوالشدة واطمأنوا به في السراء والضراء رحمهم الله ورضي الله عنهم.

الوقفـة الرابعـة:

نوجزها مع رسول الله، حينما رفع إليه الصبي فغاضت عيناه،إنها شفافية قلبه صلى الله عليه وسلم والرحمة التي امتلأ بها للمؤمنين فغاضت عيناهبالدمع من غير تعمد وإنما حزنا على هذا الصبي رحمة به، فقد لا يملك الإنسان نفسهحينما يفقد غاليا عليه فتفيض عيناه الدمع رحمة به وحزنا عليه، فهل يقع في المخطورفي النهي عن البكاء على الميت؟ حينما قال سعد في الحديث "ما هذا يا رسولالله؟ ظن أن جميع البكاء حرام وأن دمع العين حرام وظن أن النبي صلى اله عليه وسلمنسي فذكره، فأعلمه النبي صلى الله وسلم أن مجرد البكاء ودمع العين ليست بحرام، بلهو رحمة وإنما المحرم النوح والندب والبكاء المقرون بهما لقوله صلى الله عليه وسلمفي حديث آخر يرويه مسلم: "إن الله لا يعذب بدمعالعين ولا بحزن القلب ولكن يعذب بهذا ويرحم وأشار إلى لسانه".

والحديث عظيم المعاني وكثير الفوائد لكن الحيز لايتسعلأكثر من ذلك، أسأل الله أن يكون قد وفقني لإستخلاص ما ينفعنا والحمد لله الذيبنعمته تتم الصالحات.

 

المشاهدات: 479
التعليقات (0)Add Comment

أضف تعليق
تصغير | تكبير

busy
 
وقفات مع بركان أيسلندا
15/06/2010 | بقلم :محمد صالح المنجد
article thumbnail

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدالمرسلين، وبعد: ففي دويلة صغيرة، لا تعدو أن تكونجزيرة نائية قي شمال المحيط الأطلسي، يثور بركان صغير من تحت نهر جليدي، لينفث موجات من السحب الغبارية، فيحدث فزعاً عاماً في قارة أوربا بأسرها، وارتباكاً عالميا للرحل [ ... ]


من علامات محبة الله تعالى
24/02/2010 | عفيف لعطار
article thumbnail

الحمد لله و كفى، و صلى الله على عباده الذين اصطفى.إخوتي في الله، اعلموا أن من علامات محبة الله لكم: إن أعطاك الله الدين و الهدى ,فاعلم أنه سبحانه يحبك "بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ"آل عمران:76. و إن أعطاك ال [ ... ]


الحث على العمل وطلب الرزق
14/11/2009 | يزيد بن قاسي
article thumbnail

الحمد لله مقدّر الأرزاق والأقوات وجعل نيلها بالتوكل واتخاذ الأسباب فما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها، والصلاة والسلام على خير الأنام، القدوة في طلب الرزق والكسب االحلال، صلوات ربي وسلامه عليه. إنّ مما جاء به الإسلام تأكيد وترغيبا هو العمل وطلب الرزق والكسب الحلال،  [ ... ]


حسن الظن بالله تعالى وأثره في حياة المسلم
13/11/2009 | محمد حاج عيسى الجزائري
article thumbnail

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد فإن حسن الظن بالله تعالى أصل عظيم من أصول العقيدة الإسلامية، أصل من حققه واعتصم به نال السعادة في الدنيا وكان من أهل النجاة في الآخرة، ومن أخل به أو فقده كان من أهل الشقاوة في الدنيا ومن أهل الخسارة في الآخر [ ... ]


لله در الحسد ما أعدله بدأ بصاحبه فقتله
18/08/2009 | أم عبد الإله سيفوان
article thumbnail

(بين الحقيقة والوهم تعيش النساء... الحسد آفة المجتمع) الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين، أمّا بعد: فقد جعل الله تعالى المحبة الخالصة بين المسلمين هي أوثق عرى المحبة في الله، وجمع المتحابين تحت ظلال عرشه، ووثق الإسلا [ ... ]


كيف نتعلم الإخلاص ؟؟؟
13/06/2009 | بقلم : محمد الحاج عيسى
article thumbnail

  الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله أما بعد: فإن من معاني الإصلاح المطلوب منا إصلاح القلوب وتعبيدها للإله علام الغيوب، بل ذلك أول الإصلاح وأساسه كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إلا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله إلا وهي  [ ... ]


من أدب العلماء في الخلاف
18/01/2009 | رضا كريماط
article thumbnail

   إن ظاهرة اختلاف العلماء و الفقهاء في الأحكام الشرعية و الآراء الفقهية أمر واقع  لابد منه أسبابه عديدة و مسوغاته كثيرة، فإذا كان الصحابة رضي الله عنهم و هم أعلم الأمة قد اختلفوا في مسائل علمية و عملية وتباينت آراؤهم فيها فمن بعدهم من أهل العلم تب [ ... ]


البرهان القاطع على أن ما نسبناه لشيخ الإسلام هو الحق الساطعومن أنكره فهو جاهل في ضلاله قابع
17/01/2009 | أبي عبد البر نبيل العصماني
article thumbnail


التنطع في الدين
14/11/2008 | : سعيد معيريف إمام خطيب بمدينة باتنة
article thumbnail

قال صلى الله عليه و سلم: "هلك المتنطعون،" قالها ثلاثا . أخرجه مسلم .لقد توالت تحذيرات العلماء من هذه الآفة الخطيرة التي قد تصيب الفرد أو الجماعة فتهوى بهم في أودية الهلاك و مهاوي الضلال .و حتى يكون لدينا تصور صحيح عن هذه الآفة وعن معاملها و أبعادها سنعر [ ... ]


رمضان مدرسة الأخلاق
31/10/2008 | طاهر أحمد ضروي
article thumbnail

إن هذا الدين هو رسالة الله الخاتمة التي بعث بها محمدا صلى الله عليه وسلم إلى الناس كافة، ولقد حدد رسول الإسلام صلى الله عليه وسلم الغايات العظمى من بعثته فكان من أعظم هذه الغايات ما أخبر به في حديثه الثابت عنه: " إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق"، والعباد [ ... ]


الأمانة خلق الأمة
30/10/2008 | كريم ضيافي
article thumbnail

إن من مطالب الدين العلية، وتعاليمه السمحة الصافية ا لنقية، الحث على أداء الأمانة، وصيانتها من التقصير والخيانة، ومكانتها من الدين كمكانة القطب من الرحى، فمدار الدين عليها وهي شعبة من شعبه، قال رسول الله صلى اله عليه وسلم "لا إيمان لمن لا أمانة له ولا د [ ... ]


محاسبة النفس
29/10/2008 | سفيان ضيافي
article thumbnail

إن العبد في سيره إلى الله تعالى بالعبادة و التقرب إليه بالطاعة محتاج في ذلك لإن يتأدب مع نفسه بأدب رفيع ومسلك قويم هو أدب المحاسبة والمراقبة فمن حاسب نفسه في الدنيا وراجعها خف حسابه يوم القيامة وحسن منقلبه , ومن أهمل المحاسبة في هذه الدار الزائلة دامت حسرا [ ... ]


مقالات أخرى
باقي على شهر رمضان


العدد 16 

 

رسالة البدر

images/resized/images/stories/demo/18-1_78_59.jpgimages/resized/images/stories/demo/18-2_78_63.jpgimages/resized/images/stories/demo/18-3_78_48.jpgimages/resized/images/stories/demo/18-4_78_59.jpgimages/resized/images/stories/demo/18-5_78_55.jpgimages/resized/images/stories/demo/18-6_78_53.jpgimages/resized/images/stories/demo/18-7_78_48.jpgimages/resized/images/stories/demo/18-8_78_55.jpg
يوجد حاليا 8 زوار المتواجدون الآن
اليوم161
أمس255
هذا الأسبوع1120
هذا الشهر9754
جميع الزوار131053

اشترك في القائمة البريدية ليصلك جديد المجلة
Partly Cloudy Sunny Sunny
31C 33C 33C
الجمعة السبت الأحد

المحاور الرئيسية