لمن أعيش ؟
كتـب المقال عبد الحميد بن باديس   
الأربعاء, 22 أكتوبر 2008 21:20

باديس أيها الاخوة....ينبغي لكل قوم جمعهم عمل أن يفهم بعضهم بعضا كما ينبغي أن يفهموا العمل الذي هم متعاونون عليه ليكونوا في سيرهم على بصيرة من أنفسهم وعملهم. فقد يجتمع قوم على عمل مع اختلاف منازعهم فيأخذ كل واحد ليجذب إلى ناحية فتقع الخصومة ما بينهم وينقطع حبل عملهم وربما انتهى بهم الأمر إلى افتراق وعدوا، لو أنهم في أول الأمر تفاهموا لما تخاصموا. فنحن – أيها الاخوة – الذين اجتمعنا على التربية والتعليم من معلم ومتعلم علينا أن يفهم بعضنا بعضاً. والمعلم هو الذي يجب أن يفهمه المتعلمون

ويفهمهم هو في نفسه لأنه هو الذي انتصب ليبث فيهم أفكاراً وأخلاقاً وآداباً وهو مؤثر عليهم أثراً ما لا محالة، فمن واجب نصحه لهم أن يفهمه في نفسه لينْظروا في قبول التأثر به فيستمرون معه، وعدم قبوله فيفارقونه، وليكون من قبلوا واستمروا مجتمعين على شيء قد فهموه واتفقوا على البقاء فيه والتعاون عليه. وأنا أظن نفسي مفهوما عند من يتصلون بي مثلكم ولو كان ذلك في زمن قليل لأنني ما فتئت أعلن عن فكرتي التي أعيش لها وغايتي التي أسعى إليها في كل مناسبة. واليوم – وقد كان تباين ما في بعض من يتصلون بي – رأيت من الواجب أن ألقي عليكم هذا البيان مختصراً في سؤال وجواب ثم أقفّي عليه بشيء من الشرح والتفصيل :
س : لمن أعيش أنا؟
ج : أعيش للإسلام والجزائر
 قد يقول قائل : إنّ هذا ضيق في النظر، وتعصب للنفس، وتصور في العمل، وتقصير في النفع. فليس الإسلام وحده ديناً للبشرية، ولا الجزائر وحدها وطن الإنسان ولأوطان الإنسانية كلها حق على كل واحد من أبناء الإنسانية، ولكل دين من أديانها حقه من الاحترام. فأقول : نعم إن خدمة الإنسانية في جميع شعوبها، والحديث عليها في جميع أوطانها، واحترامها في جميع مظاهر تفكيرها ونزعاتها، هو ما نقصده ونرمي إليه، ونعمل على تربيتنا وتربية من إلينا عليه، ولكن هذه الدائرة الإنسانية الواسعة ليس من السهل التوصل إلى خدمتها مباشرة ونفعها دون واسطة فوجب التفكير في الوسائل الموصلة إلى تحقيق هذه الخدمة وإيصال هذا النفع. ونحن لما نظرنا في الإسلام وجدناه الدين الذي يحترم الإنسانية في جميع أجناسها فيقول:  [ وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ ] ويقرر التساوي والأخوة بين جميع تلك الأجناس ويبين أنهم كانوا أجناساً للتمييز لا للتفضيل وأن التفاضل بالأعمال الصالحة فقط فيقول: [ يَا أيُّهَا النَّاسُ إنَّا خَلَقَنْاكُمْ مِنْ ذَكَر وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعوباً وقَبائلَ لِتعَارَفُوا إنَّ أكْرَمَكُمْ عِنْدَ الله أتْقَاكُمْ ] ويدعو تلك الأجناس كلها إلى التعاطف والتراحم بما يجمعها من وحدة  الأصل ووشائج القرابة القريبة والبعيدة فيقول: [ يَا أيُّهَا النّاسُ اتقُوا رَبَّكُمْ الذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحدةٍ وخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبثّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثيراً ونِساء وَاتقُوا الله الذِي تساءلون بِهِ وَالأرْحَام ](. ويقرر التضامن الإنساني العام بأن الإحسان إلى واحد إحسان إلى الجميع، والإساءة إلى واحد إساءة إلى الجميع فيقول: [ مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْر نَفْسِ أو فَساد في الأرضِ فَكَأنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمنْ أحْياهَا فَكأنَّمَا أحْيَا النّاسَ جَميعًا ](. ويعترف بالأديان الأخرى ويحترمها ويسلم أمر التصرف فيها لأهلها فيقول : [ لَكُمْ دِينكُمْ وَلِي  دِينِ ]). ويقرر شرائع الأمم ويهون عليها شأن الاختلاف ويدعوها كلها إلى التسابق في الخيرات فيقول: [ لكلّ جَعَلنَا مِنْكُم شَرْعةً وَمنْهاجاً وَلْو شَاءَ الله لجَعَلكُمْ أمَّةً وَاحدةً وَلكنْ ليبلوَّكُمْ فِي مَا آتاكُمْ فاستبقُوا الخَيْراتِ إلى الله مَرجعكُمْ فَينّبئكُمْ بِمَا كُنتم فِيهِ تَخْتلِفُونَ ](. ويأمر بالعدل العام مع العدو والصديق فيقول: [وَلاَ يَجْرِمَنّكُمْ شَنآن قَوْم عَلَى ألاّ تَعْدلُوا]. ويحرم الاعتداء تحريما عاما على البغيض والحبيب فيقول: [ وَلاَ يَجْرُمَنّكُمْ شَنآن قَوم أنْ صدُّوكُمْ عَن المَسْجِد الحَرَام أنْ تَعْتَدوُا]). ويأمر بالإحسان العام فيقول: [ إنَّ الله يأمُرُ بِالعَدْلِ والإحْسَانِ ]). ويأمر بحسن التخاطب العام فيقول: [ وَقُولُوا لِلنّاسِ حٌسْناً ]. فلما عرفنا هذا وأكثر من هذا في الإسلام – وهو الدين الذي فطرنا عليه الله بفضله – علمنا أن دين الإنسانية الذي لا نجاة لها ولا سعادة إلا به، وأن خدمتها لا تكون إلا على أصوله، وأن إيصال النفع إليها لا يكون إلا من طريقه، فعاهدنا الله على أن نقف حياتنا على خدمته ونشر هدايته، وخدمة كل ما هو بسبيله ومن ناحيته. فإذا عشت له فإني أعيش للإنسانية لخيرها وسعادتها، في جميع أجناسها وأوطانها وفي جميع مظاهر عاطفتها وتفكيرها، وما كنا لنكون هكذا إلا بالإسلام الذي ندين به ونعيش له ونعمل من أجله.
أما الجزائر فهي وطني الخاص الذي تربطني بأهله روابط فهذا – أيها الأخوان – معنى قولي :  « إنني أعيش للإسلام » كل مقوماتي الشخصية ممتدة منه مباشرة. فأرى من الواجب من الماضي والحاضر والمستقبل بوجه خاص، وتفرض عليّ تلك الروابط أن تكون خدماتي أول ما تتصل بشيء تتصل به مباشرة. وكما الروابط لأجله – كجزء منه – فروضا خاصة، وأنا أشعر بأنني كلما أردت أن أعمل عملاً وجدتني في حاجة إليه : إلى ماله وإلى حاله وإلى آلامه، كذلك أجدني إذا عملت قد خدمت بعملي ناحية أو أكثر مما كنت في حاجة إليه. هكذا هذا الاتصال المباشر أجده بيني وبين وطني الخاص في كل حال وفي جميع الأعمال. وأحسب أن كل ابن وطن يعمل لوطنه لا بد أن يجد نفسه مع وطنه الخاص في مثل هذه المباشرة وهذا الاتصال. نعم إن لنا وراء هذا الوطن الخاص أوطانا أخرى عزيزة علينا هي دائما منا على بال، ونحن فيما نعمل لوطننا الخاص نعتقد أنه لا بد أن نكون قد خدمناها، وأوصلنا إليها النفع والخير من طريق خدمتنا لوطننا. وأقرب هذه الأوطان إلينا هو المغرب الأدنى والمغرب الأقصى اللذان ما هما والمغرب الأوسط إلا وطن واحد لغة وعقيدة وآداباً وأخلاقاً وتاريخا ومصلحة ثم الوطن العربي والإسلامي ثم وطن الإنسانية العام. ولن نستطيع أن نؤدي خدمة لشيء من هذه كلها إلا إذا خدمنا الجزائر. وما مثلنا في وطننا الخاص – وكل ذي وطن خاص – إلا كمثل جماعة ذوي بيوت من قرية واحدة. فبخدمة كل واحد لبيته تتكون من مجموع البيوت قرية سعيدة راقية. ومن ضيع بيته فهو لما سواها أضيع. وبقدر قيام كل واحد بأمر بيته تترقى القرية وتسعد، وبقدر إهمال كل واحد لبيته تشقى القرية وتنحط. فنحن إذا كنا نخدم الجزائر فلسنا نخدمها على حساب غيرها ولا للأضرار بسواها – معاذ الله - ولكن لنفعها وننفع ما اتصل بها من أوطان الأقرب فالأقرب. هذا – أيها الإخوان – هو مرادي بقولي:  « أنني أعيش للجزائر ». والآن – أيها الإخوان – وقد فهمتموني وعرفتم سمو فكرة العيش للإسلام والجزائر فهل تعيشون مثلي للإسلام والجزائر؟.
نعم.. نعم.. بصوت واحد ...فلنقل كلنا : ليَحْيَي الإسلام : لتحيا الجزائر.
-     الشهاب : ج10، م 12، ص : 424 - 428.
 

المشاهدات: 951
التعليقات (4)Add Comment
0
...
أرسلت بواسطة أم طارق , فبراير 25, 2009
رحمك الله وبارك فيك واكثر من امثالك.موضوع عريق له تأثير ايجابي
0
...
أرسلت بواسطة بن حماموش امال , مارس 16, 2009
لقد اعجبني الموضوع كثيرا لقد شكلت مقال صحفيا عنه فاحرزت المرتبة الاولى للترشيح لمسابقة احسن مقال صحفي بمازونة فاشكركم جدا
0
...
أرسلت بواسطة سارة , مارس 06, 2010
اريد تلخيصه من فضلكم انا في وقت ضيق و الاعمال المدرسية كثيرة.
0
...
أرسلت بواسطة امينة سيد الناس , أبريل 08, 2010
انا اعجبني هذا المنتدى كثير وان شاء الله توصل هذه الرسلة لطاقم هذا المنتدى

أضف تعليق
تصغير | تكبير

busy
 
مقالة للشيخ الإمام البشير الإبراهيمي أصلح نظام لتسيير العالم الإنساني اليوم هو الإسلام
18/08/2009 | أبو إبراهيم عبد الرحمان فريد
article thumbnail

الحمد لله الذي جَعل الإسلام دستوراً للحياة، ينظم علاقة الفرد بربه وبالآخرين، فتستقيم آخرته ودنياه، ويفوز بذلك بالدارين؛ وينطبق عليه قوله سبحانه وتعالى: (فَآَتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآَخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) آل  [ ... ]


شرعة الحرب في الإسلام
11/06/2009 | الشيخ محمد البشير الإبراهيمي
article thumbnail

من لوازم الحرب سفك الدماء, والدماء في الإسلام محترمة معصومة إلاّ بحقها, وليست عصمة الدماء خاصةً بالمسلمين في حكم الإسلام، بل مِثْلُهم في ذلك ثلاثة أصناف من الكتابيين وهم الذميون الذين استقروا في دار الإسلام وفي ذمته, والمعاهدون الذين استقروا فيها بعهد محدد بأجل, وا [ ... ]


من حكم العيد
14/11/2008 | محمد البشير الابراهيمي
article thumbnail

الله أكبر! الله أكبر! عباد الله: إن هذا العيد من شعائر الإسلام العظيمة، وسنن الدين القويمة، شرع الله فيه هذه الصلاة لنجتمع بقلوبنا وأجسادنا، ونتعاطف ونتراحم ونتسامح ونتصافح، وتظهر الأخوة الإسلامية على حقيقتها، وشرع فيه الأضحية لنوسع فيها على العيال، وند [ ... ]


من نفحات الشرق: الأستاذ الشيخ محمد بهجة البيطار
29/10/2008 | : الشيخ محمد البشير الإبراهيمي
article thumbnail

علم من أعلام الإسلام، وإمام من أئمة السلفية الحقّة، دقيق الفهم لأسرار الكتاب والسنة، واسع الاطّلاع على آراء المفسّرين والمحدثين، سديد البحث في تلك الآراء، أصوليّ النزعة في الموازنة والترجيح بينها، ثم له - بعدُ - رأيه الخاص.يوافق ما يوافق عن دليل، ويخا [ ... ]


كلمات من ذهب
28/10/2008 | أبي موسى عبد الكريم العباس
article thumbnail

يقول الإمام ابن عيينة : " كنا قبل اليوم نضحك ونلعب أمّا إذا صرنا أئمة يُقتدى بنا فلا نرى أن يسعنا ذلك وينبغي أن نتحفظ ".
يقول لقمان الحكيم لابنه:" يا بني: اختر المجالس على عينك وإذا رأيت قوماً يذكرون الله فاجلس معهم فإنك إن لم تكن عالماً ينفعك علمك وإ [ ... ]


لمن أعيش ؟
22/10/2008 | عبد الحميد بن باديس
article thumbnail

أيها الاخوة....ينبغي لكل قوم جمعهم عمل أن يفهم بعضهم بعضا كما ينبغي أن يفهموا العمل الذي هم متعاونون عليه ليكونوا في سيرهم على بصيرة من أنفسهم وعملهم. فقد يجتمع قوم على عمل مع اختلاف منازعهم فيأخذ كل واحد ليجذب إلى ناحية فتقع الخصومة ما بينهم وينقطع حبل عملهم وربما انتهى بهم ال [ ... ]


كلمات مضيئة للعلامة الإمام الشهيد العربي التبسي رحمه الله
21/10/2008 | للعلامة الإمام الشهيد العربي التبسي رحمه الله
article thumbnail

قال رحمه الله: وقد رأينا هذا الزاعم يقول إن الأخذ بظواهر أقوال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وأعماله اجتهاد، والاجتهاد قد تقضت أيامه وماتت رجاله وبذلك يجب على المسلمين أن يتركوا كل آية من الكتاب وكل قول وعمل من رسول الله، ولا يهتدون بشيء من كتاب ربهم ولا من سنة نبيهم وعليه [ ... ]


من روائع الماضي خطبة عيد للإمام محمد البشير الإبراهيمي
21/10/2008 | للإمام محمد البشير الإبراهيمي
article thumbnail

الخطبة الأولى:
أيها الناس: إن يومكم هذا من الأيام المشهودة، وَسَمَه دينكم بِِسِمَة هي الغرة اللائحة في جبين الأيام، وهي هذه الشعيرة التي تقيمون أركانها، وتجتمعون لأجلها.
فاحمدوا الله تعالى على الهداية، واسألوه أن تكون كل ساعة تأتي بعد ساعتكم هذه خيراً مما قبلها، وأن يكون ا [ ... ]


باقي على شهر رمضان


العدد 16 

 

رسالة البدر

images/resized/images/stories/demo/18-1_78_59.jpgimages/resized/images/stories/demo/18-2_78_63.jpgimages/resized/images/stories/demo/18-3_78_48.jpgimages/resized/images/stories/demo/18-4_78_59.jpgimages/resized/images/stories/demo/18-5_78_55.jpgimages/resized/images/stories/demo/18-6_78_53.jpgimages/resized/images/stories/demo/18-7_78_48.jpgimages/resized/images/stories/demo/18-8_78_55.jpg
يوجد حاليا 194 زوار المتواجدون الآن
اليوم186
أمس255
هذا الأسبوع1145
هذا الشهر9779
جميع الزوار131079

اشترك في القائمة البريدية ليصلك جديد المجلة
Partly Cloudy Sunny Sunny
30C 33C 33C
الجمعة السبت الأحد

المحاور الرئيسية