لأيّ الرحلتين أنت..؟
كتـب المقال يوسف مشرية   
السبت, 01 نوفمبر 2008 20:54
إخواني... أحببت أن أربط مقارنة بين رحلتين... أما الأولى فرحلة لا تتجاوز الحياة الدنيا، قصيرة، قد نعرف أكثرها، حين لمسناها خبراً ممن أدّوها وعادوا إلينا، وأما الرحلة الثانية فلمّا يحن وقتها للحي الذي يعيش على بساط الدنيا و لكنها أتية لا ريب فيها, , حاصلة لا شك في حصولها، إلا أنها الرحلة النهائية عن الحياة، فلا عودة منها ... رأينا بدايتها، ولمسنا من القرآن الكريم وحديث الرسول الحبيب صلى الله عليه وسلم ملامحها ... فهل نعقد مقارنة توضح التشابه الكبير بين الرحلتين ؟ فلنبدأ إذاً بقلوبنا قبل أعيننا، بأرواحنا وأفئدتنا قبل المحسوس منها، لنقتطف العبر والعظات، فنعيشهما رأيَ البصر والبصيرة..
يخطط الحاج الجزائري لسفره ويجهز ما يلزمه في رحلته ذهاباً وعودة، وحركة ومالاً حلالاً، وقبل ذلك كله يعقد النية على أن يكون عمله خالصاً لوجه الله الكريم، فيتفقه في مناسك الحج ليكون أداؤه صحيحاً مقبولاً .. ثم ينطلق إلى البيت الحرام تاركاً المال والعقارات والأهل والأصحاب طواعية قاصدا وجه الكريم ولا يعلم أيعود أم لا يعود، يرى سعادته في أداء المناسك بوجه يرضي المليك، ويحاسب نفسه ماذا فعل وما ينبغي فعله، وقد وكل أمره إلى الله....... ويترك الراحل إلى الآخرة داره وأهله وماله فجأة ميّتاً، فلا عودة إلى الدنيا أبداً، وفي القبر يحاسبه الملكان ويريانه مكانه من الجنة أو النار، نسأل الله العافية وحسن الختام  فإذا وصل الحاج إلى الميقات خلع عنه ثيابه واغتسل ولبس البياض – ثياب الإحرام ليكون فرداً لا يتميز عن سواه بشيء- ونوى الحج وصلى ركعتين وانطلق ملبياً يوحد الله ويخصه بالعبادة، وهذا دأب المسلم أينما كان وحيثما ولى وجهه... ويموت الإنسان إذا حان ميقاته فيخلع عنه أهله ثيابه ويغسلونه ويكفنونه بالبياض، ويصلون عليه، فإذا قبره لا يتميز عن قبور الموتى بشيء. وفي منى يجهز الناس أنفسهم للوقوف بين يدي الله تعالى يوم النحر؛ وفي  عرفات على صعيد واحد، وهناك يسكبون العبرات ويسألون الله العفو والغفران، ويجأرون بالدعاء راجين العفو والرحمة، فيقول الله تعالى حين ينزل إلى السماء الدنيا للملائكة:

"هؤلاء عبادي جاءوني شعثا غبرا من كل فج عميق يرجون رحمتي ويخافون عذابي وهم لم يروني فكيف لو رأوني"، فلو كان علينا مثل قطر السماء ذنوبا أو عدد أيام الدنيا غسلها عنا سبحانه من عفو غفور، وفي مزدلفة يشتد الدعاء والرجاء أن يعفو الكريم عن الذنوب ويقبل عباده في الصالحين ... مواقف ثلاثة يقف فيها الحاج يسأل الله تعالى ما أحب من خير الدنيا والآخرة .... ويوم القيامة مواقف متعددة أخبر عنها المصطفى صلى الله عليه وسلم، موقف لا يُسألون فيه" فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ (37) فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (38) فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ" وموقف توزع فيه الصحف على العباد ويُسألون عما فيها" فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (92) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ" وهم عريُ غُرلٌ، لا يملكون من أمورهم شيئاً" يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ" بل الأمر في الدنيا والآخرة بيد الله، يصرّف الأمور كيف يشاء. ويوم على الصراط يوم طويل ذو مواقف متعددة.  وترى المسلمين عائدين من رحلة الحج وقد غفر الله تعالى لهم بفضله ومنّه وعظيم كرمه، يستقبلهم أهلوهم بالفرح والشوق والعناق، ويحق لهم هذا الاستقبال الطيب، فقد عادوا كيوم ولدتهم أمهاتهم، لا ذنب لهم ولا آثام ليستقبلوا حياة الطهر والاستقامة كما وعدوا ربهم سبحانه في حجهم إلى بيته حتى إذا ما لقوه في الرحلة إلى الآخرة كان راضياً عنهم فاستقبلهم استقبالاً حسناً إن شاء الله ... وفي اليوم الآخر بعد الحساب وبعد المرور على الصراط والوقوف أمام أبواب الجنة الثمانية يدخلون الجنة فينطلقون إلى مساكنهم التي أعدها الله لهم، فهم يعرفونها أكثر مما يعرفون بيوتهم في الدنيا، فتستقبلهم الملائكة قائلين" سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ "

...فطوبى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد...هي خواطر جالت في ذهني فضّلت أن أفتتح بها العدد الحادي عشر من مجلة إذاعة القرآن الكريم الدولية بالجزائر، وقد تميز هذا العدد بمواضيع جُلّها عن ملف الحج إلى بيت الله الحرام، دون أن أنسى ذكرى غالية على كل الجزائريين الوطنيين الأحرار وهي ذكرى غرة نوفمبر المباركة، فللتاريخ نشرنا وثيقة تاريخية مهمة وهو بيان النصرة والنفير الذي أصدرته جمعية العلماء المسلمين الجزائريين بقلم العلامة محمد البشير الإبراهيمي والعلامة الفضيل الورتلاني رحمة الله عليهم؛ مساندا ومحرضا الشعب الجزائري أن يلتف مع جيش وجبهة التحرير الوطني ضد المستعمر الفرنسي الغاشم. ومع هذه الذكرى الطيبة ارتأت أسرة مجلة إذاعة القرآن الكريم الدولية بالجزائر الإعلان عن التشغيل الرسمي للموقع  والمنتدى  عبر شبكة الانترنيت  على الساعة الصفر من أول نوفمبر 2008م بالعنوان التالي : www. majala-koraan.net   و www.majalaforum.netفاللهم أحيِ قلوبنا وأرواحنا بأفضالك وألطافك في الدنيا، وتقبل أعمالنا واجعلنا أهلاً لعفوك ومغفرتك في الدنيا والآخرة، وأبعدنا عن النار، واكتب لنا رضاك في أرض دنيانا والجنة في الآخرة... اللهم آمين ... والحمد لله أولا وآخرا

المشاهدات: 690
التعليقات (1)Add Comment
0
شكرا لكم..
أرسلت بواسطة توفيق , نوفمبر 12, 2008
اشكر القائمين على هذا الموقع الاعلامي الثقافي الهادف...مقالة طيبة موفقة نسال الله لنا ولكم الاجر والثواب دمتم في خدمة الاسلام و الوطن....

أضف تعليق
تصغير | تكبير

busy
 
الأمن الفكري...شعار أم مشروع أمة ؟؟؟
14/06/2010 | يوسف مشرية
article thumbnail

حيّاكم الله... وأنا أتصفح البريد الإلكتروني  للمجلة استوقفتني  رسالة مستعجلة من الجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية المنورة تحمل دعوة رسمية  لمجلة إذاعة القرآن الكريم الدولية بالجزائر لحضور مؤتمرا عالميا لمكافحة الإرهاب  تحت الرعاية السامية لوزير الد [ ... ]


إرهاب بثوب جديد...؟؟؟
19/02/2010 | بقلم: يوسف مشرية
article thumbnail

الحمد لله رب العالمين و الصلاة والسلام على سيد المرسلين وعلى آله وصحبه و إخوانه إلى يوم الدين وبعد : وأنا أتصفح بعض الجرائد اليومية الجزائرية اطلعت على خبر يكشف فيه مدير المركز الوطني للوقاية والأمن عبر الطرقات عن أن إحصائيات حوادث المرور خلال 11 شهرا من السنة الجا [ ... ]


كيف نصنع الرجال..؟
15/11/2009 | يوسف مشرية
article thumbnail

في دار من دور المدينة، جلس عمر رضي الله عنه إلى جماعة من أصحابه فقال لهم: تمنوا؛ فقال أحدهم: أتمنى لو أن هذه الدار مملوءةٌ ذهباً أنفقه في سبيل الله.. ثم قال آخر: أتمنى لو أنها مملوءة لؤلؤاً وزبرجداً وجوهراً أنفقه في سبيل الله وأتصدق به.. فقال عمر: ولكني أتمنى رجالاً مثلَ أبي عب [ ... ]


عن أي سلفية تتحدثون...؟؟
18/08/2009 | يوسف مشرية
article thumbnail

الحمد لله رب العالمين... والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، أما بعد: إخواني القرّاء سلام الله عليكم ورحمته وبركاته. السلفية... مصطلح حيّر الجميع، مفكرين وفلاسفة وقادة ومنظّرين، فما كُنْه هذه التسمية التي رغِب عنها وفيها الكثيرون... فإذا بحثت عن تعريفها في الموسوعة العالمية [ ... ]


صارة...وبرنار ؟؟؟
11/06/2009 | بقلم : يوسف مشرية
article thumbnail

الحمد لله على إحسانه والشكر له على توفيقه وامتنانه وأشهد أنّ لا اله إلا الله وحده، لا شريك له تعظيما لشانه وأشهد أن محمدا عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه وعلى آله وصحبه وإخوانه، وبعد: فقد يتعجب الكثير من قرّائنا الكرام لعنوان مداخلتي في طليعة العدد، لكن كما قيل إذا عر [ ... ]


أمن الجزائر نعمة يجب شكرها
25/03/2009 | يوسف مشرية
article thumbnail

أخي القارئ الكريم.. إنَّ ممَّا يصلِح القلوبَ ويزكِّي الأعمالَ ويوجب الحياءَ من ربِّ العزة والجلال ويُثمر التوبةَ والإنابة إلى الله تذكّرَ نعم الله على العباد والخلقِ عامّة، وقد أمَر الله بتذكّر النّعم في كلّ وقتٍ ليشكرَها الخلق ويوفّوا بحقوقِها لتدومَ  [ ... ]


الحق في الأمل
17/01/2009 | مدير التحرير:محمد زكرياء زبدة
article thumbnail

الحمد لله الظاهر بإحسانه وحجته وبرهانه المنفرد بالجلال والكمال .هو الله الظاهر بآياته القريب برحمته البعيد بعزته الذي خلق الموت والحياة وسن الاجتماع والشتات وجعل لكل امة رجالا ولكل قوم مقالا ، ونصلي ونسلم على أشرف خلق الله سيدنا محمد عليه أزكى تحية ،


ومرّ عليك الحولان يا مجلة القرآن...
12/01/2009 | يوسف مشرية
article thumbnail

عام مضى وانقضى  آخر... مضى عام كامل وكأنه شهر واحد ... مضى بحلوه ومره ، وانقضى بزينه وشينه ، ونسي بفرحه وسروره ، ومحي بترحه وحزنه ... ولد فيه من ولد ومات من مات ... وتزوج من تزوج وطلق من طلق ... وكم ممن صار أبًا ... وآخر تيتم بفقد أبيه ! وهذا التحق  [ ... ]


لأيّ الرحلتين أنت..؟
01/11/2008 | يوسف مشرية
article thumbnail

إخواني... أحببت أن أربط مقارنة بين رحلتين... أما الأولى فرحلة لا تتجاوز الحياة الدنيا، قصيرة، قد نعرف أكثرها، حين لمسناها خبراً ممن أدّوها وعادوا إلينا، وأما الرحلة الثانية فلمّا يحن وقتها للحي الذي يعيش على بساط الدنيا و لكنها أتية لا ريب فيها, , حاصلة لا شك في حصولها، إلا أنه [ ... ]


فرحة شهر رمضان...
31/10/2008 | يوسف مشرية
article thumbnail

أعلنت لجنة الأهلة المجتمعة بوزارة الشؤون الدينية والأوقاف بالجزائر العاصمة  خبر رؤية هلال رمضان لهذا العام 1429هج ، فراح جميع الجزائريين يهنّؤون بعضهم ، فهذا شاب يقبّل رأس أمه ، وآخر يحتفل بقبلات في يد والده ، وثالث قام إلى زوجه يهنؤها بهذا القدوم ، وراب [ ... ]


يوم الشباب و النصر
25/10/2008 | يوسف مشرية
article thumbnail

أتمثله حلِفَ عمل، لا حليف بطالة، وحلس معمل، لا حلس مقهى، وبطل أعمال، لا ماضغَ أقوال، ومرتاد حقيقة، لا رائد خيال...هي خواطر جالت في ذهن العلاّمة  الإبراهيمي منذالأربعينات من القرن الماضي ،في تمثله للشباب الجزائري الذي هو صنيع المدارس والزوايا القرآنية التي مهدت ل [ ... ]


حتى يغيروا ما بأنفسهم
11/10/2008 | يوسف مشرية
article thumbnail

يعيش المسلمون في زمننا الحالي أوقاتا صعبة. تتوالى التصريحات من قادة أجانب تحذر من حبهم للعنف وتعطشهم للدماء. ويجدون في تصرفات معزولة لهذه الفئة أو تلك ما يبنون عليه مزاعمهم.وفي سكوت فئات مسلمة أخرى عن تلك التصرفات ما يظنونه تأييدا يشمل المسلمين أجمعهم لها. ولن ينج [ ... ]


مقالات أخرى
    باقي على شهر رمضان
    

    العدد 16 

     

    رسالة البدر

    images/resized/images/stories/demo/18-1_78_59.jpgimages/resized/images/stories/demo/18-2_78_63.jpgimages/resized/images/stories/demo/18-3_78_48.jpgimages/resized/images/stories/demo/18-4_78_59.jpgimages/resized/images/stories/demo/18-5_78_55.jpgimages/resized/images/stories/demo/18-6_78_53.jpgimages/resized/images/stories/demo/18-7_78_48.jpgimages/resized/images/stories/demo/18-8_78_55.jpg
    يوجد حاليا 9 زوار المتواجدون الآن
    اليوم174
    أمس255
    هذا الأسبوع1133
    هذا الشهر9767
    جميع الزوار131067
    
    اشترك في القائمة البريدية ليصلك جديد المجلة
    Partly Cloudy Sunny Sunny
    30C 33C 33C
    الجمعة السبت الأحد

    المحاور الرئيسية